من المقرر أن يقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة دولة إلى الصين في الفترة من 3 إلى 5 ديسمبر، تركز على العلاقات الثنائية وإعادة توازن العلاقات الصينية الأوروبية – وإقناع بكين بوقف دعمها لحرب روسيا في أوكرانيا. وتعتبر هذه الزيارة ذات أهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها أوروبا، وتسعى فرنسا إلى تعزيز دور الاتحاد الأوروبي كشريك استراتيجي للصين.
تأتي هذه الزيارة في وقت حرج بالنسبة للاقتصاد العالمي، حيث يواجه الاتحاد الأوروبي عجزًا تجاريًا متزايدًا يهدد نسيجه الصناعي. ومن المتوقع أن تهيمن القضايا الاقتصادية على جدول الأعمال، حيث تستعد كل من فرنسا والصين لتولي مناصب استراتيجية في عام 2026 – باستضافة فرنسا قمة مجموعة السبع ورئاسة الصين لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك).
العلاقات الصينية الأوروبية: دور فرنسا كـ “مبعوث” للاتحاد الأوروبي
على الرغم من أن ماكرون يزور الصين بمفرده هذه المرة، بعد زيارة سابقة برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، إلا أنه سيتصرف كمبعوث للاتحاد الأوروبي نظرًا لأن التجارة تقع ضمن اختصاص الاتحاد. وسيقدم تقريرًا إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية بشأن نتائج المحادثات.
من المتوقع أن يلتزم ماكرون في محادثاته مع شي جين بينغ بالنهج الرسمي للاتحاد الأوروبي، الذي يصنف الصين في الوقت ذاته كشريك للتعاون ومنافس اقتصادي وخصم نظامي. وتواجه العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين حالة من التوتر، حيث بلغ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين 305.8 مليار يورو في عام 2024، وتعاني الصناعات الأوروبية من ضعف الطلب في السوق الصينية.
بالإضافة إلى ذلك، كان الاتحاد الأوروبي ضحية جانبية للصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، والذي تصاعد مؤخرًا عندما فرضت الصين قيودًا على صادرات المعادن الأرضية النادرة – وهي ضرورية لقطاعات رئيسية في الاتحاد الأوروبي بما في ذلك صناعة السيارات والتكنولوجيا والدفاع.
وفقًا لمصادر في الإليزيه، سيتحدث ماكرون باسم الاتحاد الأوروبي، مدافعًا عن فكرة “أن يتم احترام أوروبا كشريك رئيسي للصين، وألا تُعامل كمتغير في التوترات أو العلاقات بين الصين والولايات المتحدة”.
مناقشة القضايا التجارية
لن تتم مناقشة المعادن الأرضية النادرة بشكل مباشر، ولكن سيتم طرح العديد من النزاعات التجارية على جدول الأعمال، مثل التحقيقات الصينية في منتجات لحوم الخنزير ومنتجات الألبان الأوروبية. ومن المتوقع أن تتمحور الحوارات الاستراتيجية حول “الالتزامات المتبادلة”، حيث تسعى باريس إلى دفع الصين نحو زيادة استهلاكها وتقليل صادراتها، وفي المقابل، يلتزم الاتحاد الأوروبي بتوفير المزيد والاستثمار في الإنتاج.
يهدف هذا النهج إلى “ضمان نمو قوي ومستدام لصالح الجميع”، حسبما صرح مصدر في الإليزيه.
الابتكار والاستثمار: فرص التعاون
تعتبر الاستثمارات والابتكار من الأولويات الرئيسية على جدول الأعمال. فالصين موطن للعديد من الشركات الرائدة في مجال الابتكار – من الذكاء الاصطناعي إلى البطاريات والطائرات بدون طيار – وهي تتوسع عالميًا مع إنشاء شركات جديدة في الخارج، بما في ذلك في الاتحاد الأوروبي.
على الرغم من أن فرنسا ليست نقطة الدخول الرئيسية للصين إلى السوق الأوروبية، إلا أنها استثمرت مؤخرًا في قطاعات استراتيجية هناك مثل الكيماويات وصناعة السيارات والطاقة. ويدعو ماكرون إلى “تقاسم مكاسب الابتكار” في ظل مناقشات حول فرض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التزامات على نقل التكنولوجيا إلى الشركات الصينية.
ويرى مصدر في الإليزيه أنه “بعد 30 عامًا من العولمة التي مكنت الصين إلى حد كبير من النمو والابتكار، من المهم أن نأخذ في الاعتبار حقيقة أن الصينيين يمتلكون الآن تقنيات متقدمة بشكل خاص في عدد من المجالات والتي يمكن مشاركتها مع شركائهم الموثوق بهم، بما في ذلك الأوروبيين”.
كما سترافق الرئيس الفرنسي وفد من الرؤساء التنفيذيين الفرنسيين الباحثين عن الوصول إلى السوق الصينية.
أوكرانيا وتايوان: قضايا جيوسياسية رئيسية
ستركز زيارة ماكرون أيضًا على السياسة الخارجية، مع التركيز بشكل خاص على نقطتين جيوسياسيتين رئيسيتين: أوكرانيا وتايوان. يلتقي الرئيس الفرنسي شي جين بينغ في الوقت الذي تتسارع فيه الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق بين أوكرانيا وروسيا لإنهاء الحرب التي بدأت في عام 2022.
يسعى الأوروبيون إلى توحيد الصفوف لصالح أوكرانيا لضمان أن النص المسودة تحافظ على سيادة كييف وتضمن الأمن في القارة. وعلى الرغم من أن الصين ليست طرفًا مباشرًا في هذه العملية المتسارعة، إلا أن الأوروبيين يعتقدون أن دورها ضروري في الصراع، حيث تتهمها بكين بتوفير شريان حياة حيوي لموسكو، بما في ذلك 80٪ من المكونات اللازمة لتصنيع الأسلحة.
لم تتخذ الصين أي خطوة حتى الآن لتقليل دعمها لروسيا، على الرغم من المناشدات المتكررة من قادة الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ماكرون. ومن المتوقع أن يذكر الرئيس الفرنسي شي جين بينغ بأن الصين، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تتحمل مسؤولية الحفاظ على السلام العالمي والأمن الدولي.
في الوقت نفسه، تنخرط الصين في مواجهة مريرة مع اليابان بشأن تايوان، الجزيرة الديمقراطية ذات الحكم الذاتي التي تطالب بها بكين كإقليم منشق. وقد صرح رئيس الوزراء الياباني الجديد، سانايه تاكايكي، مؤخرًا بأن أي محاولة صينية لحصار أو غزو تايوان ستشكل مسألة وجودية لبلاده، مما قد يسمح لليابان بنشر قواتها العسكرية في الخارج.
ردت بكين بغضب وفرضت العديد من الإجراءات المضادة لإلحاق الضرر الاقتصادي باليابان والضغط عليها سياسيًا. ومن المتوقع أن يثير شي جين بينغ قضية تايوان خلال اجتماعه مع ماكرون، وسيدعو الرئيس الفرنسي إلى الالتزام بموقف الاتحاد الأوروبي القائم – عدم الاعتراف بتايوان كدولة ذات سيادة وعدم إجراء أي تغييرات على الوضع الراهن في مضيق تايوان – لتجنب تفاقم التوترات.
أكد مصدر في الإليزيه على أهمية “أن يلتزم الجميع بهذا الموقف، وهو الموقف الذي يضمن عدم تصعيد الأمور حول تايوان”.
من المتوقع أن تكون المحادثات بين ماكرون وشي جين بينغ حاسمة في تشكيل مستقبل العلاقات الصينية الأوروبية، وتحديد مسار التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، ومعالجة القضايا الأمنية الملحة. وستراقب الأوساط الدولية عن كثب نتائج هذه الزيارة، وتقييم تأثيرها على التوازن الجيوسياسي العالمي.










