استمرت المظاهرات المعارضة للحكومة في إيران لليلة الثانية على التوالي في أنحاء البلاد، مساء الجمعة، على الرغم من انقطاع الإنترنت والتحذيرات الصادرة عن القيادة الإيرانية. وتأتي هذه الاحتجاجات في ظل أزمة اقتصادية حادة وتدهور في الأوضاع المعيشية، مما أدى إلى غضب شعبي واسع النطاق. كما دخل الجيش الإيراني على خط الأزمة، مؤكداً استعداده لحماية المصالح الوطنية، بينما اتهم الحرس الثوري “العدو” بتحويل الاحتجاجات إلى فوضى.
بدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر الماضي، عندما عبر التجار في طهران عن استيائهم من سياسات الحكومة الاقتصادية وتدهور قيمة العملة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وصعوبة الحصول على السلع الأساسية. وسرعان ما امتدت المظاهرات لتشمل مدناً كبرى مثل مشهد، وتبريز، وأصفهان، وهمدان، وكرج، ويزد، وسط دعوات لإسقاط النظام. تشير التقديرات الأولية إلى وقوع العديد من الضحطيات والإعتقالات، بينما تسعى السلطات إلى إخماد الاحتجاجات المتزايدة.
تطورات الاحتجاجات وتصعيد التوترات في إيران
أظهرت مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من القيود المفروضة على الإنترنت، مجموعات كبيرة من المتظاهرين يهتفون بشعارات معارضة للحكومة، بما في ذلك “الموت للديكتاتور” و “عاش الشاه”. كما انتشرت صور ومقاطع فيديو لحرائق في عدة مناطق، بما في ذلك شمال طهران، حيث أضرم المتظاهرون النيران في حاويات القمامة وبعض الممتلكات العامة.
أعلنت وكالة أنباء حقوق الإنسان، ومقرها الولايات المتحدة، أن أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 65 شخصًا واعتقال أكثر من 2300 آخرين. ومع ذلك، فإن الحصول على معلومات دقيقة ومستقلة من داخل إيران أمر صعب بسبب القيود المفروضة على الصحافة والوصول إلى الإنترنت. وتأتي هذه الأرقام وسط تهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران.
ردود الفعل الرسمية الإيرانية
حذر الجيش الإيراني في بيان له، صباح السبت، من “مخططات العدو” لدعم الاحتجاجات وزعزعة استقرار البلاد. وأكد التزامه بـ”حماية المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة”، وشدد على أنه “سيواجه أي مؤامرة” تحت قيادة المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي الوقت ذاته، اتهم الحرس الثوري “العدو” بتحويل الاحتجاجات المشروعة إلى “فوضى مسلحة”، وانتقد ما أسماها “التدخل الوقح” من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في دعم “مثيري الشغب”.
كما تعهد رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجئي، بفرض عقوبات صارمة على المتظاهرين، مؤكداً على عدم وجود أي “تساهل قانوني”. فيما حذر مذيع في التلفزيون الرسمي المواطنين من النزول إلى الشوارع، مشيراً إلى أنهم قد يعرضون حياتهم للخطر. ويعكس هذا التصعيد في الخطاب الرسمي الإيراني قلق السلطات المتزايد بشأن اتساع نطاق الاحتجاجات وتأثيرها المحتمل.
الضغوط والتهديدات الدولية
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن دعمه للمتظاهرين الإيرانيين، وهدد بضرب إيران بقوة إذا استخدمت السلطات “العنف المفرط” لقمعهم. وأضاف ترمب، في تصريحات من البيت الأبيض، أن “إيران في ورطة كبيرة”، وأن “الناس بدأوا يسيطرون على مدن معينة”. في السياق ذاته، عبر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني على منصة “إكس”.
رد المرشد الإيراني علي خامنئي على هذه التهديدات، واصفاً يدي ترمب بأنهما “ملطختان بدماء الإيرانيين”، بينما هتف أنصاره بشعارات “الموت لأمريكا”. كما قام السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة بإرسال رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، اتهم فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بالتدخل في الشؤون الداخلية لإيران وتحريض على العنف. هذه التطورات تزيد من تعقيد الوضع الإقليمي وتؤجج التوترات بين طهران وواشنطن.
الأزمة الاقتصادية كدافع للاحتجاجات
تعتبر الأزمة الاقتصادية الحادة والتضخم المتزايد من بين الأسباب الرئيسية وراء هذه الاحتجاجات. فقد شهدت إيران تراجعاً كبيراً في صادرات النفط بسبب العقوبات الأمريكية، كما انخفضت قيمة العملة بشكل حاد، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وصعوبة معيشة المواطنين. وتشير التقارير إلى أن حوالي 20 مليون أسرة إيرانية تعاني من الفقر، مما يزيد من السخط العام على الحكومة.
وقد أعلنت الحكومة الإيرانية عن بعض الإجراءات للتخفيف من الأزمة، مثل تقديم منحة نقدية شهرية بقيمة 7 دولارات، ووعد بـ”كبح الاحتكار واستغلال نظام سعر الصرف”. إلا أن هذه الإجراءات تعتبر غير كافية من قبل الكثيرين، ولا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة الاقتصادية.
من المتوقع أن يستمر الوضع في إيران في التوتر خلال الأيام القادمة، مع احتمال تصاعد الاحتجاجات أو تدخل السلطات بقوة أكبر. سيراقب المجتمع الدولي عن كثب التطورات في إيران، وخاصة رد فعل الحكومة على الاحتجاجات، واحترام حقوق الإنسان، وتجنب التصعيد العسكري. كما من المهم مراقبة تأثير العقوبات الاقتصادية على الوضع في إيران، وإمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية للأزمة.










