مع تراجع نفوذ إيران في المنطقة، تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً في موازين القوى، حيث تسعى السعودية إلى ملء الفراغ الناتج من خلال إعادة تقييم علاقاتها مع المنافسين السابقين، وتنويع شراكاتها العالمية، وتبني سياسة خارجية أكثر استقلالية. وتثير هذه التحركات تساؤلات حول مدى توافق الدور الإقليمي المتوسع للرياض مع المصالح الأمريكية، خاصةً في ظل التطورات الأخيرة في اليمن وعلاقاتها مع تركيا.
تحول السياسة السعودية وتأثيره على المنطقة
يقول جافد علي، مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي وأستاذ بجامعة ميشيغان، إن “المملكة العربية السعودية وإيران تتنافسان على النفوذ في العالم الإسلامي منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وتجلب تولي الأمير محمد بن سلمان السلطة رؤية مختلفة بشكل ملحوظ عن رؤى أسلافه.”
تشمل التحركات الأخيرة للمملكة، والتي أثارت نقاشًا حول مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، سعي تركيا للانضمام إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، وفقًا لما ذكرته وكالة بلومبرج. ويأتي هذا في وقت تشهد فيه المنطقة ديناميكيات جديدة تتطلب إعادة النظر في التحالفات والشراكات.
التوترات مع الولايات المتحدة وتداعياتها
يرى مايكل روبين، زميل أول في معهد أمريكان إنتربرايز، أن مسار السعودية الحالي يجب أن يُنظر إليه في ضوء الإحباط المتراكم على مر السنين من السياسة الأمريكية. وأشار إلى أن الإدارات الأمريكية السابقة لم تفِ بوعودها، خاصةً فيما يتعلق بالهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
وأضاف روبين أن التوترات ازدادت مع سعي الأمير محمد بن سلمان لإجراء إصلاحات طالما دعا إليها صانعو السياسات الأمريكيون، لكنه واجه انتقادات حادة من واشنطن، مثل قرار إدارة بايدن إلغاء تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية. ويعتبر هذا القرار نقطة تحول في العلاقة بين البلدين.
في المقابل، يرفض الباحث الجيوسياسي السعودي سلمان الأنصاري الادعاءات بأن الرياض تبتعد أيديولوجيًا أو تتبنى حركات إسلامية، مؤكدًا أن السياسة السعودية تستند إلى اعتبارات عملية تهدف إلى تحقيق الاستقرار والتنمية. ويرى أن التقارب مع تركيا يعكس جهودًا لتهدئة التوترات.
اليمن: ساحة اختبار للسياسة السعودية الجديدة
تتجلى هذه التفسيرات المتنافسة حول نوايا السعودية بشكل خاص في اليمن، حيث تشكل التحالف السعودي الإماراتي في الأصل لمواجهة النفوذ الإيراني عبر وكيلها الحوثي. ومع ذلك، اختلفت استراتيجيات البلدين في الحرب. تدعم الرياض حكومة يمنية موحدة معترف بها دوليًا، بحجة أن التفكك يعزز إيران. بينما دعمت الإمارات العربية المتحدة الانفصاليين الجنوبيين، بمن فيهم المجلس الانتقالي الجنوبي، مع إعطاء الأولوية للسيطرة على الموانئ والممرات الأمنية.
في الأيام الأخيرة، استعادت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية السيطرة على أجزاء كبيرة من جنوب وشرق اليمن من المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وقيل إن زعيم المجلس الانتقالي فر إلى الإمارات وسط أنباء عن حل الجماعة. وهذا يسلط الضوء على الخلافات المتزايدة والدعم الإماراتي للانفصاليين.
وحذر روبين من أن هذه التطورات قد تكون لها تداعيات طويلة الأجل، مشيرًا إلى أن الجماعات الإسلامية التي تدعمها السعودية اليوم قد تستهدف المملكة في المستقبل. في المقابل، أكد الأنصاري أن الخلافات مع الإمارات تنبع من دعمها لعناصر مسلحة انفصالية في اليمن، مما يعقد العملية السياسية ويقوض الجبهة المناهضة للحوثيين.
التحولات الإقليمية والمصالح الأمريكية
بالإضافة إلى اليمن، تشمل التغيرات الإقليمية الأخرى سعي السعودية لتعزيز العلاقات مع قوى عالمية أخرى مثل روسيا والصين، وهو ما يراه البعض بمثابة إشارة إلى رغبة الرياض في تنويع خياراتها الدبلوماسية. وتشير التقارير إلى أن هذه العلاقات ليست بالضرورة انعكاسًا لتحول أيديولوجي، بل هي استجابة لظروف إقليمية ودولية متغيرة.
مع تراجع نفوذ إيران وتغير موازين القوى الإقليمية، تواجه واشنطن الآن سؤالاً حاسمًا: هل سيعزز الدور المتوسع للسعودية الاستقرار المدعوم من الولايات المتحدة، أم سيعيد تعريف موازين القوى بطرق تختبر حدود الشراكة طويلة الأمد؟
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مزيدًا من التطورات في هذا السياق، بما في ذلك نتائج المفاوضات الجارية في اليمن، وتطور العلاقات بين السعودية وتركيا، ورد فعل الإدارة الأمريكية على هذه التحولات. وستراقب الولايات المتحدة عن كثب التطورات لتقييم تأثيرها على المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحديد الخطوات اللازمة للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الأمن.










