مع استمرار الاحتجاجات المناهضة للنظام في إيران، يرى خبراء أن التركيز يجب أن ينصب على دور الأقليات العرقية المعقدة في البلاد، والتي تشكل ما يقرب من 50٪ من إجمالي السكان، في تحديد مستقبل إيران. هذه المجموعات، التي عانت تاريخياً من التمييز والقمع، قد تكون مفتاحاً للتحول السياسي المستدام. وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير عن قمع عنيف للاحتجاجات من قبل السلطات الإيرانية.
الأقليات العرقية ودورها في مستقبل إيران
تاريخياً، لم تدعم المجموعات العرقية في إيران الدستور الإسلامي منذ عام 1979، وكانت تخوض نضالاً مستمراً من أجل حقوقها. وفقاً لأحدث الأبحاث، يتكون المجتمع الإيراني من 51٪ من الفرس، و24٪ من الأذريين، و8٪ إلى 17٪ من الأكراد، بالإضافة إلى أقليات عربية (3٪) وبالوشية (2٪). هذا التنوع العرقي يمثل تحدياً للدولة المركزية التي بنيت على هوية وطنية موحدة.
تاريخ من النضال والقمع
تشير التقارير إلى أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، أمر بقمع عنيف للاحتجاجات، حيث أفادت منظمات حقوق الإنسان ومصادر معارضة عن مقتل الآلاف. تتحدث تقديرات مختلفة عن عدد الضحايا، حيث ذكرت “ناشطو حقوق الإنسان في إيران” عن 2,571 حالة وفاة، بينما صرح شخصيات معارضة بارزة مثل رضا بهلوي بأن العدد قد يصل إلى 12,000 قتيل على الأقل.
يؤكد سردار باشايي، رئيس منظمة “هيوا” غير الربحية التي تدعم الناشطين الأكراد، أن الأقليات العرقية تمثل جزءاً لا يتجزأ من أي انتقال سياسي حقيقي في إيران. ويشير إلى أن الأكراد تحديداً لديهم خبرة عقود في مقاومة الحكم الاستبدادي، ودفعوا ثمناً باهظاً من خلال القمع والسجن وفقدان الأرواح. ويضيف أن دورهم ليس رمزياً بل هيكلياً في أي تحدٍ حقيقي للجمهورية الإسلامية.
الأكراد كقوة ديمقراطية
بالإضافة إلى الاحتجاجات، يرى باشايي أن الأقليات العرقية، وخاصة الأكراد، ضرورية لضمان عدم استبدال نظام قمعي بآخر. فالثقافة السياسية الكردية تميل بقوة نحو القيم الديمقراطية والتعددية ومشاركة المرأة، مما يفسر عدم وجود دعم تقريباً للنظام الملكي أو الحكم مدى الحياة.
ويستشهد باشايي بتجارب مماثلة في سوريا والعراق، حيث أصبحت المناطق التي تدار من قبل الأكراد من بين الأكثر استقراراً بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية. ويتوقع أن المناطق الكردية في إيران قد تشهد نفس الاستقرار بعد سقوط النظام الحالي. ومع ذلك، يلاحظ استمرار التمييز ضد الأكراد داخل إيران وخارجها، حتى في أوساط المعارضة، مؤكداً على ضرورة بناء مستقبل ديمقراطي من خلال تحالف واسع وشامل.
محافظات كرمانشاه وإيلام في قلب الانتفاضة
خليل كاني ساناني، المتحدث باسم حزب حرية كردستان (PAK)، سلط الضوء على أهمية محافظتي كرمانشاه وإيلام في الوقت الحالي. ويقول إن هذه المحافظات مستعدة للعب دور محوري في الانتفاضة، وأن منظمات حزب حرية كردستان ووحدات الجيش الوطني الكردستاني في المدن الرئيسية تعمل على إدارة عملية الاحتجاج وتنفيذ المقاومة والدفاع المشروع.
يذكر ساناني أن الانتفاضة الكبرى الأخيرة بدأت في هذه المناطق، وأنها هذه المرة أيضاً، أصبحت المدن الكردية مراكز للثورة ضد النظام بعد القمع في طهران، وامتدت روح التمرد من كردستان إلى جميع أنحاء إيران.
“انتفاضة جينا” وحراك المرأة
الانتفاضة الحالية، والتي يشار إليها بـ “انتفاضة جينا”، انطلقت بعد مقتل مهسا (جينا) أميني، الشابة الإيرانية الكردية، في سبتمبر 2022، على يد شرطة الأخلاق بسبب عدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح. وقد تحولت هذه الحادثة إلى حركة واسعة النطاق تحت شعار “المرأة والحياة والحرية”.
ويؤكد ساناني أن عمليات وحداتهم في كرمانشاه وإيلام ولورستان وبختياري ضد قوات الحرس الثوري الإسلامي قد منحت أملاً كبيراً للشعب ورفعت معنوياتهم. ويضيف أنه في حال إغلاق المجال الجوي لتلك المناطق أمام طائرات النظام، فإن قواتهم ستتمكن من السيطرة على جميع المدن في تلك المحافظات، ومن ثم التوجه بقوة تضم 100 ألف شخص لمساعدة سكان طهران.
سيماند مويني، عضو المجلس القيادي لحزب حياة كردستان الحرة (PJAK)، يرى أن الحكومة الحالية تفتقر إلى القدرة أو البرنامج لإجراء إصلاحات ديمقراطية داخلية. لذلك، يقترح النضال المشترك لتغييرها وإقامة نظام ديمقراطي يضمن مشاركة جميع شعوب إيران. ويؤكد على أن النظام المركزي الحالي في إيران يفشل في تمثيل إرادة شعبه، وأن الحكم الاستبدادي والقمع المركزي قد أدى إلى معاناة وموت الآلاف على مدى القرن الماضي.
ويختتم مويني بالإشارة إلى أن نظام الحكم المستقبلي في إيران يجب أن يقوم على المشاركة والتعاون الواسع النطاق لجميع شعوبها، مما يضع الأساس لديمقراطية مستدامة وشاملة.
في الختام، يبقى مستقبل إيران غير واضحاً، لكن دور الأقليات العرقية، وخاصة الأكراد، يزداد أهمية. من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة تطورات متسارعة، مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد الضغوط على النظام. سيكون من الضروري مراقبة التفاعلات بين الحكومة والمعارضة، بالإضافة إلى ردود فعل المجتمع الدولي، لتقييم المسار المحتمل للأحداث في إيران.










