تزايد الاعتماد الأوروبي على الذكاء الاصطناعي (AI) المصنوع في الولايات المتحدة يثير مخاوف متزايدة بشأن السيادة الرقمية. وتشير التقارير إلى أن هذا الاعتماد قد يتحول إلى نقطة ضعف، خاصةً في ظل التوترات التجارية المحتملة مع واشنطن. تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز إنتاج الذكاء الاصطناعي محليًا، لكن الفجوة التكنولوجية مع الشركات الأمريكية لا تزال كبيرة، مما يهدد قدرتها على المنافسة في هذا المجال الحيوي.
تأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة تقلبات. وحسب خبراء، قد تستغل إدارة ترامب المحتملة اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأمريكية كورقة ضغط في المفاوضات التجارية. وتشمل المخاطر المحتملة تقييد الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية الحيوية، وهو سيناريو يعتبره البعض مستبعدًا ولكنه وارد.
تحديات تحقيق السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي
بدأت المفوضية الأوروبية، والحكومات في المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، في اتخاذ خطوات لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية. وتشمل هذه الخطوات برامج التمويل، وتبسيط الإجراءات التنظيمية، والشراكات مع المؤسسات الأكاديمية. وتركز بعض الجهود على تطوير نماذج لغوية كبيرة تنافسية للغات الأوروبية، مثل Apertus و GPT-NL.
الفجوة التكنولوجية المستمرة
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال الشركات الأوروبية متخلفة عن نظيراتها الأمريكية في تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم. ويرى الخبراء أن هذا المجال غالبًا ما يشهد “فائزًا يتصدر”، حيث يميل المستخدمون إلى التجمع حول المنصات الأفضل أداءً. وبالتالي، فإن عدم القدرة على إنتاج تكنولوجيا متطورة يعني استمرار التخلف عن الركب.
ومع ذلك، أظهرت مشاريع مثل DeepSeek أن تحقيق تقدم كبير ممكن حتى بموارد محدودة. ويعمل مشروع SOOFI، وهو مشروع تطوير نماذج مفتوحة المصدر، على إطلاق نموذج لغوي عام تنافسي بحوالي 100 مليار معلمة خلال العام المقبل. ويركز المشروع على تحسين كفاءة استخدام الموارد، مما قد يقلل من الاعتماد على مجموعات معالجة الرسومات (GPU) الضخمة.
غموض مفهوم السيادة الرقمية
لا يزال هناك جدل حول المدى الذي يجب أن تسعى إليه أوروبا لتحقيق “السيادة الرقمية”. هل تتطلب السيادة الاكتفاء الذاتي الكامل عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي بأكملها، أم مجرد تحسين القدرات في مجالات محددة؟ هل يجب استبعاد الشركات الأمريكية، أم مجرد توفير بدائل محلية؟ يصف خبراء الصناعة المفهوم بأنه “غامض” و”أكثر كونه سردية في هذه المرحلة”.
الخلاف حول السياسات المناسبة
هناك خلافات حول السياسات التي يجب اتباعها لتعزيز الاكتفاء الذاتي الأوروبي. يدعو بعض الموردين الأوروبيين إلى مطالبة الشركات بشراء منتجات من الشركات المحلية، على غرار ما تفعله الصين في سوق المعالجات. ويرون أن هذا النهج سيساعد في خلق الطلب، وهو أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى رأس المال. في المقابل، يرى مؤيدو الأسواق المفتوحة أن محاولة استبعاد الشركات الأمريكية قد تضر بالشركات الأوروبية، وتحد من خياراتها.
ويرى البعض أن السيادة تعني ببساطة “وجود خيار”، أي القدرة على اختيار أفضل منتجات الذكاء الاصطناعي المتاحة، بغض النظر عن مصدرها. ويركزون على أهمية المنافسة العادلة والابتكار، بدلاً من الحماية.
التطورات المستقبلية والخطوات القادمة
من المتوقع أن تواصل الدول الأوروبية جهودها لتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تطوير نماذج لغوية متخصصة وتوفير التمويل اللازم للشركات الناشئة. كما من المرجح أن يستمر الجدل حول أفضل السياسات لتحقيق السيادة الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار التوازن بين حماية الصناعة المحلية وتعزيز المنافسة.
تشير التوقعات إلى أن المفوضية الأوروبية ستصدر تقريرًا مفصلاً حول استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي بحلول نهاية عام 2024. وسيتضمن التقرير توصيات بشأن السياسات اللازمة لتعزيز الابتكار وضمان الأمن السيبراني. ومع ذلك، لا تزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن كيفية تنفيذ هذه السياسات، وما إذا كانت ستكون كافية لسد الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، من المهم مراقبة التطورات الجيوسياسية والعلاقات التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث يمكن أن تؤثر هذه العوامل بشكل كبير على مستقبل الذكاء الاصطناعي في أوروبا.










