تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث يلوح في الأفق صراع حول تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند. هذا الخلاف يلقي بظلاله على فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ويضع القادة الأوروبيين في موقف حرج يتطلب رد فعل موحد وحاسم. ووصل الرئيس ترامب إلى سويسرا لحضور المنتدى بعد أن اضطرت طائرته للعودة بسبب عطل كهربائي بسيط.
يسعى القادة الأوروبيون إلى إقناع ترامب بالتراجع عن تهديداته بفرض رسوم جمركية لإجبار الدنمارك على بيع جرينلاند، وذلك خلال الاجتماعات الثنائية والمتعددة التي ستعقد في دافوس. وقد أرسل رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر رسالة واضحة للرئيس ترامب يوم الثلاثاء، مفادها: “هنا لا أبعد من ذلك. تراجع أو سنذهب إلى أقصى حد”.
تصعيد اللهجة الأوروبية وتأهب “الbazooka” التجاري
يشهد الموقف تحولاً حاداً في الخطاب من جانب القادة الأوروبيين، مما يمهد الطريق لمواجهة وشيكة. وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الثلاثاء أن أوروبا “تفضل الاحترام على التنمر”، وأن الاتحاد الأوروبي “لا ينبغي أن يتردد” في استخدام “bazooka” التجاري القوي، وهو أداة مصممة للرد على الدول المتسلطة، سواء ضد الولايات المتحدة أو الصين.
ويعتبر هذا “الbazooka” التجاري أحد الخيارات التي يتم تجهيزها من قبل الاتحاد الأوروبي استعدادًا لتاريخ 1 فبراير، وهو الموعد الذي أعلن فيه ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية على جرينلاند. وأضاف ماكرون: “هذا جنون. أنا أندم على ذلك، لكنه نتيجة للتوقع غير المبرر والعدوانية غير المفيدة”، مؤكداً على ضرورة “الحفاظ على الهدوء”.
من جانبها، تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بتقديم رد “حازم وموحد ومتناسب” من الاتحاد الأوروبي. وقد غادرت فون دير لاين دافوس متوجهة إلى البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، لكنها ستعود لاحقًا على أمل لقاء الرئيس ترامب، وفقًا لما ذكرته قناة Euronews.
وفي تصريحات أدلت بها لمحررة Euronews، ماريا تاديو، من دافوس، قالت رئيسة البنك الأوروبي للاستثمار، ناديا كالفينيو، إن هناك رغبة في “الحوار” مع الولايات المتحدة، لكنها حثت أوروبا على التركيز على “نقاط قوتها”. وأوضحت: “لماذا يقضي الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت والطاقة في مهاجمة الاتحاد الأوروبي؟ لأنه، عندما نكون موحدين، لا يمكن هزيمتنا”.
آمال التوصل إلى تراجع عن تهديدات ترامب تبددت يوم أمس، عندما سئل عن مدى استعداده للذهاب للحصول على جرينلاند، فرد قائلاً: “سترون”.
الخلاف حول جرينلاند يطغى على ملف أوكرانيا
لقد طغى هذا الخلاف الآن على المناقشات المتعلقة بأوكرانيا، والتي كان من المفترض أن تكون محور تركيز اللقاء بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في دافوس. وذكرت صحيفة Financial Times في تقرير لها اليوم أن الإعلان المخطط له عن خطة ازدهار بقيمة 800 مليار دولار بين أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة في دافوس قد تأجل، نقلاً عن ستة مسؤولين.
تعقيدات إضافية مع “مجلس السلام” في غزة
يزيد الأمر تعقيدًا، أن مبادرة الرئيس ترامب لدعوة دول العالم للانضمام إلى “مجلس السلام” الخاص بغزة، أصبحت الآن متشابكة مع نزاع جرينلاند. وسيكون مصير مشاركة الاتحاد الأوروبي في هذا المجلس جزءًا من المناقشات التي ستعقد خلال القمة الطارئة يوم الخميس. ويخشى الدبلوماسيون أن تصبح هذه القضية مرتبطة بأزمة جرينلاند، حيث يحتاج الأوروبيون إلى تنسيق ما إذا كانوا سيقبلون مقاعدهم أم لا، مما قد يثير غضب الرئيس الأمريكي في ظل التوترات المتصاعدة.
أعلنت فرنسا أنها لا تنوي الانضمام إلى المجلس، خشية أن يتعارض ميثاقه – الذي لا يتضمن أي ذكر لغزة – مع “مبادئ وهيكل الأمم المتحدة”، وأن يمنح ترامب، الرئيس للمجلس، “صلاحيات واسعة”. وهدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 200٪ على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ردًا على ذلك.
واتهم وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، ترامب في تصريحات له في دافوس، بالسعي إلى “استبدال نظام الأمم المتحدة” بمجلسه “الشخصي”.
يثير النطاق الواسع للصلاحيات التي يبدو أن ترامب يمنحها للمجلس، والافتقار الصارخ للتركيز على غزة ومستقبلها، قلقًا بالغًا لدى المسؤولين في بروكسل. ويرى هؤلاء المسؤولون أن المجلس يحتاج إلى العودة إلى التركيز على غزة بدلاً من إنشاء مجلس أمن جديد موازٍ للأمم المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المجلس تجعل مشاركة أوروبا سياسياً غير مقبولة. وقد قبل رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان مقعده بالفعل، مما يشير إلى أن هذه القضية قد تخلق انقسامًا بين دول الاتحاد الأوروبي.
تصويت حاسم على اتفاقية الاتحاد الأوروبي-ميركوسور
سيقرر البرلمان الأوروبي اليوم ما إذا كان سيحيل اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى محكمة العدل الأوروبية ويؤجل الموافقة عليها. ويأتي هذا التصويت في وقت حرج، ومن المتوقع أن يكون ضيقًا للغاية، وأن يقسم البرلمان إلى نصفين ويقسم العديد من المجموعات السياسية.
دعت المجموعات الليبرالية (Renew Europe) والخضر/التحالف الحر الأوروبي (Greens/EFA) واليسار إلى التصويت على الإحالة إلى المحكمة، لكن الخلافات ظهرت بين الليبراليين والخضر، حيث أشارت بعض الوفود الوطنية إلى أنها ستصوت ضد أو تمتنع عن التصويت. كما أن مجموعة اليمين المتطرف (Patriots of Europe) تؤيد الإحالة وستدعمها على الرغم من أنها تأتي من يسار البرلمان.
قد يشهد التصويت أيضًا انقسامات في أكبر مجموعتين في البرلمان، وهما مجموعة الشعب الأوروبي (EPP) ومجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين (S&D)، واللتان تعارضان من حيث المبدأ الإحالة إلى المحكمة. لكن أعضاء من بولندا وأيرلندا وهولندا وسلوفينيا وربما المجر في مجموعة الشعب الأوروبي قد ينشقون عن خط مجموعتهم.
إذا تمت الموافقة على الإحالة، فسيؤدي ذلك إلى تأجيل الموافقة على اتفاقية الاتحاد الأوروبي-ميركوسور في البرلمان لأكثر من عام، في انتظار تقييم المحكمة.
في الختام، يظل الوضع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي متقلبًا للغاية. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من المفاوضات والمناقشات، مع التركيز على إيجاد حلول دبلوماسية لتجنب المزيد من التصعيد في الخلافات التجارية والسياسية. سيكون من المهم مراقبة رد فعل الاتحاد الأوروبي على مبادرة “مجلس السلام” في غزة، والتطورات المتعلقة باتفاقية التجارة مع ميركوسور، بالإضافة إلى أي تصريحات أو إجراءات جديدة من الرئيس ترامب.










