عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ منذ بداية يناير، استجابةً لتصاعد التوترات مع إيران، وذلك من خلال سلسلة من التحركات البحرية والجوية المتزامنة ضمن نطاق عمليات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). تأتي هذه التحركات في ظل تقييم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوضع بأنه “غير مستقر”، مع الإبقاء على الخيارات العسكرية مطروحة بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الجارية، وذلك على خلفية الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تشهدها إيران بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وشملت هذه التعزيزات إعادة نشر مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لنكولن” وجميع السفن المرافقة لها من المحيط الهادئ إلى منطقة الشرق الأوسط. وتؤكد واشنطن أن هذه الخطوة تهدف إلى إظهار الاستعداد والردع، تحسباً لأي تطورات غير متوقعة قد تستدعي تدخلاً عسكرياً. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من عدم اليقين المتزايد، وتصاعد المخاوف بشأن الأنشطة الإيرانية.
التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط
أكد مسؤول أمريكي رفيع المستوى لشبكة فوكس نيوز أن مجموعة حاملة الطائرات قد دخلت بالفعل مياه نطاق عمليات “سنتكوم” في المحيط الهندي، لكنها لم تتخذ بعد مواقع تموضع تسمح بشن ضربات محتملة ضد إيران. وتصف الإدارة الأمريكية هذه الخطوة بأنها إجراء احترازي يهدف إلى ردع أي تصعيد محتمل، وإرسال رسالة واضحة إلى طهران بشأن عزم الولايات المتحدة على حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
وبالإضافة إلى التعزيزات البحرية، أعلنت القوات الجوية الأمريكية العاملة ضمن نطاق القيادة المركزية (AFCENT) عن استعدادها لبدء تدريب مكثف للجاهزية القتالية يمتد لعدة أيام عبر مسرح العمليات. يهدف هذا التدريب إلى إظهار القدرة على نشر القوة الجوية بسرعة وكفاءة، وتوزيعها في مواقع متعددة، والحفاظ على قدرتها التشغيلية في ظل سيناريوهات تصعيد محتملة. ويعكس هذا الاستعداد الجدي التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
تأتي هذه التحركات في أعقاب تقارير استخباراتية تشير إلى أن إيران قد تزيد من أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، بما في ذلك دعم الجماعات المسلحة وتنفيذ هجمات إلكترونية. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذه التعزيزات إلى ردع إيران عن أي خطوات استفزازية، والتأكيد على أنها مستعدة للدفاع عن نفسها وعن حلفائها في حالة وقوع أي هجوم.
القوات البحرية وتعزيز الوجود في الخليج
تحافظ القيادة البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط (الأسطول الخامس) على حضور قوي في منطقة الخليج العربي وممرات الملاحة الحيوية القريبة. ومع وصول حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” والقطع البحرية المرافقة لها، يزداد قوة الوجود البحري الأمريكي في مسرح عمليات “سنتكوم”. وقد عبرت الحاملة وثلاث مدمرات صواريخ موجهة غرباً من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ودخلت بالفعل المحيط الهندي متجهة نحو بحر العرب.
وعند اكتمال تموضعها، ستنضم مجموعة “أبراهام لنكولن” إلى الأصول البحرية الأمريكية الأخرى الموجودة بالفعل في المنطقة، بما في ذلك ثلاث سفن قتالية ساحلية (LCS) تتمركز في البحرين، بالإضافة إلى ما لا يقل عن مدمرتين أمريكيتين أخريين تعملان داخل الخليج العربي. ويعني هذا التعزيز إضافة حوالي 5700 بحار إلى نطاق عمليات “سنتكوم”، مما يزيد من قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة لأي تهديدات محتملة.
تعتبر البحرين مركزاً رئيسياً للعمليات البحرية الأمريكية في المنطقة، حيث تستضيف مقر الأسطول الخامس وتضم حوالي 9000 عنصر عسكري أمريكي. وتشرف البحرين على إدارة العمليات البحرية عبر رقعة جغرافية واسعة، بما في ذلك دوريات حماية الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز والخليج العربي والبحر الأحمر.
وقد شهد البحر الأحمر خلال العامين الماضيين تكثيفاً للدوريات بسبب التهديدات المتزايدة من الجماعات الحوثية لحركة الملاحة. وشاركت السفن الأمريكية وسفن الحلفاء في اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، مما يدل على التزام الولايات المتحدة بحماية حرية الملاحة في المنطقة.
القوة الجوية وقواعد الانتشار الإقليمية
تشكل القوة الجوية الأمريكية، إلى جانب طيران البحرية العامل من على متن حاملات الطائرات، ركيزة أساسية لقدرات القيادة المركزية الأمريكية. وتنطلق نسبة كبيرة من الطلعات القتالية والاستطلاعية من شبكة واسعة من القواعد الجوية المنتشرة في منطقة الخليج. وأكبر هذه القواعد هي قاعدة العديد في قطر، التي تستضيف حوالي 10 آلاف عسكري أمريكي وعشرات الطائرات، وقد يرتفع هذا العدد في فترات التصعيد.
وتعتبر قاعدة العديد المقر الرئيسي للقيادة المركزية، وتضم مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC)، الذي يدير العمليات الجوية في أنحاء الشرق الأوسط. ومن خلال هذه القاعدة، تستطيع الولايات المتحدة إطلاق طيف واسع من الأصول الجوية، بما في ذلك طائرات التزويد بالوقود والاستطلاع والطائرات المسيرة والقاذفات والمقاتلات، مما يتيح الوصول السريع إلى أي نقطة ساخنة في المنطقة. كما تشكل القدرات الجوية الأمريكية عنصراً أساسياً في استراتيجية الردع الشاملة في المنطقة.
وفي إطار تعزيز الجاهزية، قامت الولايات المتحدة بنشر مقاتلات إضافية، من بينها طائرات F-15E، لتوسيع خياراتها في حال تطلب التصعيد تنفيذ مهام دفاع جوي أو ضربات دقيقة. وبالتوازي مع ذلك، نشرت بريطانيا مقاتلات “تايفون” في قطر ضمن مهام ذات طابع دفاعي. وتأتي هذه التحركات في سياق رفع مستوى الاستعداد، وتوفير خيارات سريعة في حالة نشوب أزمة مع إيران أو أي تهديد إقليمي آخر.
وتشكل القدرات الاستراتيجية، مثل القاذفات بعيدة المدى، جزءاً مهماً من المعادلة. وتحتفظ الولايات المتحدة بخيار “الضربة البعيدة” كقدرة يمكن دفعها إلى مسرح “سنتكوم” بسرعة من خارج الإقليم، سواء على شكل طلعات ردع وتدريب، أو كخيار عملياتي عند التصعيد. وتعتبر القاذفة الشبح B-2 منصة مخصصة لاختراق الدفاعات وتوجيه ضربات دقيقة ضد أهداف شديدة التحصين.
من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة مراقبة الوضع في إيران عن كثب، وتقييم التهديدات المحتملة على مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. وستعتمد الإدارة الأمريكية على مزيج من الضغط الدبلوماسي والتهديد العسكري للحفاظ على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وستراقب الولايات المتحدة أيضاً رد فعل إيران على هذه التحركات، وما إذا كانت ستتخذ أي خطوات استفزازية قد تؤدي إلى تصعيد التوترات. يبقى الوضع متقلباً، ويتطلب حذراً شديداً وتنسيقاً وثيقاً مع الشركاء والحلفاء.










