أقرّ المشرّعون الفرنسيون مشروع قانون يهدف إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الخامسة عشرة، في خطوة تعتبرها إحدى المشرّعات “معركة من أجل العقول الحرة”. يأتي هذا التشريع في ظل تزايد القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال والمراهقين. كما يتضمن القانون حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية.
حظر وسائل التواصل الاجتماعي: موجة متصاعدة في أوروبا
تمت الموافقة على مشروع القانون في وقت متأخر من يوم الاثنين بنسبة 130 صوتًا مقابل 21 صوتًا، وسيحال الآن إلى مجلس الشيوخ لمناقشته قبل التصويت النهائي. تهدف الحكومة الفرنسية، بقيادة الرئيس ماكرون، إلى تسريع إجراءات التشريع لضمان دخوله حيز التنفيذ في الوقت المناسب قبل بدء العام الدراسي الجديد في سبتمبر.
صرحت المشرعة لور ميلر أمام الجمعية الوطنية: “من خلال هذا القانون، نضع حدًا واضحًا في المجتمع ونقول إن وسائل التواصل الاجتماعي ليست بريئة”. وأضافت أن الأطفال “يقرأون أقل، وينامون أقل، ويقارنون أنفسهم بالآخرين بشكل متزايد”، مؤكدة أن الأمر يتعلق “بمعركة من أجل العقول الحرة”.
المخاوف المتزايدة بشأن الصحة النفسية
تأتي هذه الخطوة في أعقاب تقارير متزايدة من وكالات الصحة الفرنسية تشير إلى وجود صلة بين الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وانخفاض احترام الذات، وزيادة التعرض للمحتوى المتعلق بالسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، بما في ذلك إيذاء النفس وتعاطي المخدرات والانتحار.
أفاد مراقب الصحة الفرنسي أن طفلًا واحدًا من بين كل اثنين يقضي ما بين ساعتين وخمس ساعات يوميًا على هاتفه الذكي. وكشف تقرير صدر في ديسمبر أن حوالي 90٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 17 عامًا يستخدمون الهواتف الذكية يوميًا للوصول إلى الإنترنت، ويستخدم 58٪ منهم هذه الهواتف لوسائل التواصل الاجتماعي.
يستند هذا التشريع أيضًا إلى توصيات علمية، حيث أشار ماكرون بعد التصويت إلى أن “العلماء يوصون بهذا، والشعب الفرنسي يطالب به بشكل ساحق”. وأوضح أن “أدمغة أطفالنا ليست معروضة للبيع – لا لمنصات أمريكية ولا لشبكات صينية، وأن أحلامهم لا يجب أن تمليها الخوارزميات”.
لم تقتصر هذه المبادرة على فرنسا، بل اكتسبت زخمًا في جميع أنحاء أوروبا. ففي الأيام الأخيرة، أعلنت الحكومة البريطانية أنها تفكر في اتخاذ قيود مماثلة كجزء من جهودها لتشديد الرقابة وحماية الأطفال من المحتوى الضار عبر الإنترنت والوقت المفرط أمام الشاشات.
وفي ديسمبر الماضي، قدمت أستراليا حظرًا عالميًا سابقًا على وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا، مما يحد من الوصول إلى منصات مثل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب. يعكس هذا التوجه العالمي قلقًا متزايدًا بشأن تأثير هذه المنصات على جيل الشباب.
يهدف القانون الفرنسي الجديد إلى فرض مسؤولية أكبر على منصات التواصل الاجتماعي لضمان سلامة الأطفال. يتطلب القانون من المنصات التحقق من عمر المستخدمين وتنفيذ تدابير فعالة لمنع الوصول إلى المحتوى غير المناسب.
بالإضافة إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي، يتضمن القانون أيضًا حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، بهدف الحد من التشتيت وتعزيز التفاعل الاجتماعي المباشر بين الطلاب.
من المتوقع أن يثير هذا القانون نقاشًا واسعًا حول حقوق الأطفال وواجبات الآباء ودور الحكومات في تنظيم الفضاء الرقمي. هناك أيضًا أسئلة حول كيفية تطبيق هذا القانون بشكل فعال وكيفية التعامل مع التحديات المتعلقة بالتحقق من العمر وتجاوز القيود.
الخطوة التالية هي مناقشة مشروع القانون في مجلس الشيوخ الفرنسي، حيث قد يخضع لمزيد من التعديلات قبل التصويت النهائي. من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان القانون سيتم تمريره بصورته الحالية، ولكن من المؤكد أنه سيبقى قضية رئيسية على الأجندة السياسية في فرنسا والاتحاد الأوروبي في الأشهر المقبلة.










