شهد الطلب على الطاقة المولدة من الغاز في الولايات المتحدة نموًا هائلاً خلال العامين الماضيين، مدفوعًا بشكل أساسي بالزيادة الكبيرة في إنشاء مراكز البيانات. وكشف بحث جديد صدر يوم الأربعاء أن أكثر من ثلث هذا الطلب المتزايد مرتبط بشكل مباشر بمشاريع الغاز التي تهدف إلى تشغيل هذه المراكز، وهو ما يعادل الطاقة اللازمة لتشغيل عشرات الملايين من المنازل الأمريكية. ويأتي هذا التطور في وقت تشجع فيه إدارة ترامب بناء مراكز البيانات، وتراجع فيه تنظيم التلوث الناتج عن محطات الطاقة واستخراج النفط والغاز.
تُظهر البيانات أن هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة الأمريكية، حتى لو لم يتم تنفيذ بعض المشاريع التي تم تتبعها. وقد أعد هذا البحث “مراقب الطاقة العالمي”، وهي منظمة غير ربحية تتخذ من سان فرانسيسكو مقرًا لها وتتتبع تطورات صناعة النفط والغاز. ويشير الخبراء إلى أن الآثار المترتبة على هذا التوسع كبيرة للغاية.
الطلب المتزايد على الغاز وتأثير مراكز البيانات
تشير النتائج التي توصل إليها “مراقب الطاقة العالمي” إلى أن بناء جميع البنية التحتية لإنتاج الطاقة من الغاز قيد التطوير في نهاية العام الماضي قد يزيد من أسطول الغاز الأمريكي بنحو 50%. حاليًا، تمتلك الولايات المتحدة حوالي 565 جيجاوات من الطاقة المولدة من الغاز على الشبكة. وإذا تم بناء جميع المشاريع قيد التطوير، فسيتم إضافة ما يقرب من 252 جيجاوات إضافية من الطاقة الغازية، وهو ما يكفي لتشغيل ملايين المنازل.
لقد ساهمت مراكز البيانات في مضاعفة الطلب على الطاقة المولدة من الغاز في الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين تقريبًا. ففي أوائل عام 2024، سجل “مراقب الطاقة العالمي” حوالي 85 جيجاوات من الطاقة المولدة من الغاز قيد التطوير، كان حوالي 4 جيجاوات منها مخصصة بشكل صريح لمراكز البيانات. ولكن في عام 2025، تجاوز الطلب الذي تم تتبعه من المشاريع التي ستستخدم لتشغيل مراكز البيانات 97 جيجاوات، أي ما يقرب من 25 ضعفًا مقارنة بأرقام عام 2024.
تطورات في سياسة الطاقة
بدأ مطورو مراكز البيانات في التنافس للحصول على الطاقة من جميع المصادر المتاحة، بينما تسعى شركات المرافق لتلبية الطلب المتوقع. أدى هذا إلى إعطاء فرصة ثانية لمصادر الطاقة الأكثر تلويثًا، حيث تم منح بعض محطات توليد الطاقة بالفحم تمديدات على مواعيد إغلاقها، وذلك بفضل السياسات المؤيدة للفحم من إدارة ترامب.
على الرغم من أن الغاز الطبيعي يعتبر خيارًا أنظف من الفحم، إلا أن محطات الغاز تطلق انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ووفقًا للبيانات، جاء حوالي 35٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة في الولايات المتحدة عام 2022 من حرق الغاز الطبيعي.
يشير جوناثان بانكس، مستشار مناخي كبير في “مجموعة العمل النظيفة للهواء”، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تقليل الانبعاثات، إلى أن “الغاز أنظف عند حرقه من الفحم، ولكن عند الحديث عن هذه الكمية الكبيرة من الغاز، فإننا نتحدث عن كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون أيضًا”.
مخاوف بشأن تسرب الميثان
يثير تسرب الميثان أثناء عملية الاستخراج قلقًا أكبر. على الرغم من أن الميثان يبقى في الغلاف الجوي لفترة أقصر من ثاني أكسيد الكربون، إلا أنه أقوى منه بـ 80 مرة على مدى 20 عامًا. ويقول علماء المناخ إن تقليل انبعاثات الميثان على المدى القصير أمر بالغ الأهمية للسيطرة على تغير المناخ على المدى الطويل. تشير التقديرات إلى أن إنتاج النفط والغاز يمثل ثلث جميع تسربات الميثان العالمية، والولايات المتحدة هي أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التوسع في البنية التحتية للغاز يثير تساؤلات حول التزام الولايات المتحدة بأهدافها المناخية طويلة الأجل. ففي حين أن الغاز الطبيعي قد يكون بمثابة وقود انتقالي نحو مصادر الطاقة المتجددة، إلا أن الاعتماد المتزايد عليه قد يعيق التقدم نحو مستقبل طاقة أكثر استدامة.
تتزايد الضغوط على شركات الطاقة لتبني ممارسات أكثر مسؤولية بيئيًا، بما في ذلك الحد من تسربات الميثان والاستثمار في تقنيات التقاط الكربون. ومع ذلك، فإن وتيرة هذه التغييرات قد لا تكون كافية لمواكبة النمو السريع في الطلب على الطاقة.
من المتوقع أن يستمر الطلب على مراكز البيانات في النمو مع استمرار التوسع في الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وسيتطلب ذلك المزيد من الطاقة، مما قد يؤدي إلى زيادة الضغط على شبكة الكهرباء وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي. سيراقب الخبراء عن كثب التطورات التنظيمية والسياسات الحكومية المتعلقة بإنتاج الغاز وانبعاثات الميثان في الأشهر المقبلة، بالإضافة إلى الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة. ستكون البيانات الجديدة التي سيصدرها “مراقب الطاقة العالمي” في الربع الأخير من العام الحالي مؤشرًا رئيسيًا على اتجاهات السوق والتأثير البيئي لهذه التطورات.










