تواجه أوروبا فرصة تاريخية لتحقيق “قفزة نوعية” في تكنولوجيا الفضاء وتعزيز قدراتها الدفاعية خلال السنوات القادمة، ولكن ذلك يتطلب التوقف عن إضاعة الوقت في “خطط طموحة” غير واقعية، وفقًا لما صرح به مايكل شولهورن، الرئيس التنفيذي لشركة إيرباص للفضاء والدفاع. ويعتبر دفاع الفضاء مجالًا حيويًا لضمان أمن البنية التحتية الأوروبية في ظل التهديدات المتزايدة.
وحذر شولهورن من أن القارة الأوروبية تخاطر بتراجعها في مجال الفضاء ما لم تنتقل بسرعة من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ويأتي هذا التحذير في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الاعتماد على الأنظمة الفضائية في مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك الاتصالات والملاحة والمراقبة.
أهمية تطوير دفاع الفضاء الأوروبي
أكد شولهورن على وجود فجوة كبيرة في قدرات أوروبا في مجال ما أسماه “الدفاع الفضائي النشط”، أي القدرة على التصرف والحماية والرد على التهديدات التي تستهدف البنية التحتية والأقمار الصناعية الأوروبية. وأضاف أن هذا النقص يعرض أوروبا لمخاطر كبيرة في حالة تعرضها لهجوم فضائي.
وقد طرحت المفوضية الأوروبية ما يسمى بـ “درع الفضاء” كجزء من “خارطة طريق الاستعداد الدفاعي” التي تهدف إلى تعزيز قدرة الكتلة على الدفاع عن نفسها بشكل كبير بحلول عام 2030. ويعتبر الفضاء عنصرًا حاسمًا في هذا الجهد، خاصة فيما يتعلق بالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاتصالات السريعة والآمنة.
تحديات تواجه تطوير القدرات الفضائية
يرى شولهورن أن إحدى المشكلات الرئيسية التي تفسر الفجوة في القدرات الفضائية هي حجم الشركات الأوروبية، والتي تعتبر أصغر بكثير من نظيراتها الأمريكية. ويعزو ذلك إلى ضعف الاستثمار الحكومي على مدى العقود الماضية بسبب نقص الوعي بأهمية الفضاء الاستراتيجية.
تهدف خطة التسلح الأوروبية إلى تأمين استثمارات بقيمة 800 مليار يورو في القطاع بحلول عام 2030، خاصة في المجالات ذات الأولوية التسع التي تشمل القدرات الاستراتيجية والذخيرة والدفاع الجوي والصاروخي والطائرات بدون طيار.
ألمانيا، التي اختارت عدم استخدام أي من الأدوات المالية التي اقترحتها المفوضية الأوروبية لتعزيز الإنفاق الدفاعي، أعلنت عن حزمة بقيمة 500 مليار يورو للأربع سنوات القادمة، بما في ذلك 35 مليار يورو للدفاع الفضائي العسكري.
وأشار شولهورن إلى أن الميزانية الأمريكية للفضاء هي على الأقل عشرة أضعاف الميزانية الأوروبية، وحتى مع كل ما تنفقه أوروبا الآن، لا تزال الميزانية الأمريكية أعلى بثلاثة أضعاف على الأقل. كما أن هذا لا يأخذ في الاعتبار البرامج الأمريكية السرية.
توحيد الشركات الأوروبية وتحديات المنافسة
وقعت شركات إيرباص وليوناردو وثاليس مذكرة تفاهم في أكتوبر 2025 لتشكيل مشروع مشترك كبير يهدف إلى دمج أنشطتها الفضائية في شركة فضاء أوروبية واحدة. لكن حتى بعد توحيد القوى، ستكون الشركة الناتجة هي الرابعة في العالم من حيث الحجم بعد لوكهيد مارتن وسبيس إكس وبوينغ، وفقًا لشولهورن.
ومع ذلك، أعرب شولهورن عن تفاؤله بقدرة أوروبا على اللحاق بالركب بسرعة، مؤكدًا أن الصناعة الأوروبية ستمتلك في النهاية الوسائل والقدرة على تلبية طلب الدول الأعضاء. ويرى أن أوروبا يمكن أن تحقق “قفزة نوعية” في بناء القدرات قبل نهاية العقد، شريطة أن توفر السلطات للصناعة “تعريفات عملية للبرامج والحلول” حتى تتمكن الشركات من البدء في العمل.
أهمية التنفيذ العملي وتجنب البيروقراطية
وحذر شولهورن من أن البيروقراطية المفرطة قد تقوض هذه الطموحات، داعيًا إلى “تفكيك” أو “تقليص” بعض اللوائح وإعادة التفكير في القواعد القديمة التي قال إنها لم تعد مناسبة لأنها وضعت “عندما كان العالم مختلفًا تمامًا”.
واعتبر أن الطريقة التي تعاملت بها الاتحاد الأوروبي مع مشروع البنية التحتية للقدرة على الصمود والترابط والأمن عبر الأقمار الصناعية (IRIS²) كانت “مثالًا على ما لا ينبغي فعله”. يهدف مشروع IRIS²، وهو كوكبة متعددة المدارات تضم 290 قمرًا صناعيًا، إلى دعم مجموعة واسعة من التطبيقات الحكومية في المراقبة وإدارة الأزمات والاتصال وحماية البنية التحتية الحيوية والأمن والدفاع.
ويُفترض أن يكون IRIS² نسخة محسنة من Starlink الخاصة بإيلون ماسك، لكنه متخلف عن تقدم هذا النظام. وأشار شولهورن إلى أن Starlink في نسخته الثالثة بالفعل، بينما أوروبا “اعتقدت سياسيًا وبغرور أنها تستطيع التفوق عليه في غضون بضع سنوات”.
بدلاً من ذلك، كان ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يتحرك بسرعة باستخدام ما هو متاح بالفعل ثم البناء عليه. من المتوقع أن يكون IRIS² جاهزًا للعمل في عام 2029.
في الختام، أكد شولهورن على أن أوروبا يجب أن تعطي الأولوية للعمل الملموس على الطموحات الكبيرة. “الخطط الطموحة على الورق لا قيمة لها”، كما قال.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مناقشات مكثفة حول تفاصيل تنفيذ “درع الفضاء” وتخصيص الموارد اللازمة. وستراقب الدول الأعضاء عن كثب التقدم المحرز في مشروع IRIS²، مع الأخذ في الاعتبار التحديات التقنية والمالية والبيروقراطية التي قد تعيق إكماله في الموعد المحدد. يبقى مستقبل دفاع الفضاء الأوروبي رهنًا بالقدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس.










