كشفت وثائق دبلوماسية حديثة عن قلق دولي واسع النطاق إزاء محاولات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب ضم جرينلاند، مما أثار توترات جديدة في العلاقات عبر الأطلسي. وأظهرت البرقيات أن مسؤولين أجانب عبّروا عن إحباطهم خلال محادثات مع نظرائهم الأمريكيين، حيث سعت بعض الدول للاستفادة من الوضع بينما أبدت أخرى قلقاً بالغاً من التداعيات المحتملة. وتُظهر هذه الوثائق مدى حساسية القضايا الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي.
وفقًا لتقرير نشره موقع “بوليتيكو”، فقد أثارت هذه التحركات ردود فعل متباينة بين الدول المعنية. فقد رأت الصين فرصة لتعزيز نفوذها وتقويض العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بينما سعت فنلندا جاهدة لتجنب اندلاع حرب تجارية بسبب الجزيرة. وفي المقابل، أعربت آيسلندا عن غضبها من التلميحات التي أشارت إلى إمكانية استهدافها في المستقبل.
قلق دولي بشأن ضم جرينلاند
تُظهر البرقيات الدبلوماسية، التي حصل عليها “بوليتيكو” من وزارة الخارجية الأمريكية، عمق التأثير الذي أحدثته مطالبات ترمب بشأن جرينلاند. وقد عبّر مسؤولون أجانب عن استيائهم خلال محادثاتهم مع نظرائهم الأمريكيين هذا الشهر. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي بالفعل ضغوطًا بسبب الحرب في أوكرانيا والخلافات التجارية.
وبحسب الوثائق، فقد قدمت هذه الرسائل لمحة عن طريقة تفكير الحلفاء والخصوم حيال محاولة ترمب “الاستحواذ على أراضٍ”. وأشارت إلى نقطة توتر جديدة في العلاقات الأمريكية الأوروبية. وتزامنت هذه التطورات مع مناقشة ترمب لاتفاق إطاري قد يوسع النشاط العسكري والتعديني الأمريكي في الإقليم الدنماركي.
ردود فعل دولية متباينة
أكدت وزيرة الخارجية الفنلندية، إلينا فالتونين، وفقًا لإحدى البرقيات، على أهمية تجنب أي انفصال، خاصةً انفصال فوضوي. وأبدت فنلندا قلقها من احتمال فرض رسوم جمركية من قبل ترمب على الدول الأوروبية التي أرسلت مستشارين عسكريين إلى جرينلاند للتخطيط لمناورات عسكرية.
وفي الوقت نفسه، أشارت برقية صادرة عن السفارة الأمريكية في بكين إلى أن الحكومة الصينية متحمسة للاستفادة من تحركات ترمب تجاه جرينلاند. ورأى الدبلوماسيون الأمريكيون أن هذا الوضع قد يتيح لبكين فرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة وزيادة التوترات عبر الأطلسي. ومع ذلك، أدركت القيادة الصينية أيضًا أن توسع الوجود العسكري الأمريكي في جرينلاند قد يعيق أهدافها في القطب الشمالي.
أما آيسلندا، فقد أعربت عن غضبها بعد أن مازح مرشح ترمب لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى البلاد، بيلي لونج، بإمكانية أن تصبح آيسلندا “الولاية الـ52”. واستدعت آيسلندا القائمة بالأعمال الأمريكية للمطالبة باعتذار رسمي، معتبرةً أن مثل هذه التصريحات “لا مكان لها في الخطاب الدولي”.
تطورات واتفاق محتمل
تراجع ترمب لاحقًا عن تهديداته بالسيطرة على جرينلاند بالقوة وإطلاق حرب تجارية ضد حلفاء الناتو. وتوصل إلى “إطار لاتفاق مستقبلي” بشأن جرينلاند مع الأمين العام للحلف، مارك روته، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
يتضمن هذا الإطار مقترحات بالسماح للولايات المتحدة بالسيادة الكاملة على قواعدها في جرينلاند، بالإضافة إلى حق إنشاء المزيد من القواعد مع احتفاظ الدنمارك بحق النقض. كما يتضمن احتمال دمج درع الدفاع “القبة الذهبية” ومهمة لحلف الناتو تركز على القطب الشمالي، ومنح الولايات المتحدة حق الرفض الأول في مشاريع استخراج الموارد الطبيعية.
لا يزال من غير الواضح المدة التي ستستغرقها مناقشة التفاصيل أو إقناع جرينلاند والدنمارك بالانضمام إلى الاتفاق. ومع ذلك، يؤكد الطرفان أنهما لن يتنازلا عن مسألة السيادة. وتُظهر هذه التطورات أهمية منطقة القطب الشمالي المتزايدة في السياسة الدولية.
من المتوقع أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة مزيدًا من المفاوضات بين الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند. وسيكون من المهم مراقبة ردود فعل الأطراف المعنية، وخاصةً آيسلندا وفنلندا، بالإضافة إلى موقف الصين المتزايد النفوذ في المنطقة. ويبقى مستقبل جرينلاند والوضع الجيوسياسي في القطب الشمالي غير مؤكدين، ويتطلبان متابعة دقيقة.










