يجري تنفيذ بنود حساسة من الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بشكل هادئ، أبرزها إخراج المقاتلين والقادة الأجانب التابعين لـ”حزب العمال الكردستاني” والمطلوبين لدى تركيا من الأراضي السورية. يأتي هذا في إطار مساعي دمشق لتعزيز سيادتها واستقرار المنطقة الحدودية، وتهدف إلى تهدئة التوترات مع أنقرة.
في الأيام الأخيرة، غادر عدد كبير من هؤلاء المقاتلين والقادة معاقلهم في شمال شرق سوريا، بعد سنوات من التمركز في أنفاق على طول الحدود السورية-العراقية-التركية. من بين المغادرين فهمان حسين، المعروف باسم “الدكتور باهوز أردال”، وهو قيادي بارز في “حزب العمال الكردستاني” ولعب دوراً محورياً في تأسيس “وحدات حماية الشعب” الكردية، العمود الفقري لـ”قسد”.
تنفيذ اتفاقيات دمشق و”قسد”
بدأت هذه التحركات بعد مفاوضات مكثفة بين الحكومة السورية و”قسد”، حيث تم التوصل إلى اتفاق في 18 يناير الماضي يلزم “قسد” بإخراج جميع قيادات وعناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين من الأراضي السورية. هذا البند يهدف إلى طمأنة دمشق بشأن السيادة واستقرار الجوار، كما يعكس ضغوطاً تركية متزايدة.
لم يذكر اتفاق 10 مارس بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي ملف “الكردستاني” بشكل مباشر، لكن البنود السابقة تضمنت التزامات واضحة بهذا الخصوص. وتشير التقارير إلى وجود رابط بين هذه العملية وبين مساعي تركيا لإحياء مسار سلمي مع زعيم “العمال الكردستاني” عبدالله أوجلان المسجون في تركيا.
دور الوساطات الإقليمية والدولية
خلال الوساطة التي قام بها مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، والتي شملت لقاءات مع الشرع وعبدي والمبعوث الأمريكي توم باراك، طُلب من “قسد” قطع صلتها بـ”حزب العمال الكردستاني”. كما أثيرت مسألة تكتلين تابعين للحزب، وهما “القوة الصلبة” و”شباب الثورة”، اللذين يقدر عدد منتسبيهما بالآلاف، بينهم حوالي ألف شخص من غير السوريين.
بالتوازي مع ذلك، نص اتفاق 30 يناير على إرسال فريق من هيئة المنافذ البرية إلى معبري سيملكا ونصيبين لتثبيت الموظفين المدنيين ومنع إدخال الأسلحة والأجانب من خارج الحدود. يُفسر هذا البند على أنه محاولة لمنع دخول عناصر “حزب العمال الكردستاني” إلى سوريا عبر المعابر الرسمية أو عن طريق التهريب.
تطبيقات الاتفاق على الأرض
بدأ تطبيق اتفاق 30 يناير الاثنين بتعيين نور الدين عيسى محافظاً للحسكة، وجيا كوباني معاوناً لوزير الدفاع، بترشيح من “قسد” وموافقة من دمشق. كما تم تعيين مدير للأمن في الحسكة من قبل الحكومة السورية، على أن يتم تعيين نائبه من قبل “قسد”. بالإضافة إلى ذلك، استعادت دمشق السيطرة على حقلي النفط في الرميلان والسويدية ومطار القامشلي، ونشرت عناصرها للإشراف على بدء عمل قوات الشرطة (أسايش) التابعة لـ”قسد” في الحسكة والقامشلي تحت “إدارة مشتركة”.
هذه التطورات تأتي بعد فترة من التوتر، حيث لوح بعض قادة “العمال الكردستاني” بالانضمام إلى “قسد” لمواجهة قوات الحكومة السورية، مما هدد باندلاع صراع عربي-كردي. لكن اتفاق 30 يناير، الذي حظي بدعم دولي، ساهم في تغيير الأولويات وتجنب الاقتتال.
الاندماج العسكري والمدني
يجري العمل حالياً على تنفيذ بنود أخرى في اتفاق 30 يناير، بما في ذلك تسليم آبار النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية، ودمج الموظفين، ودمج “قسد” في الجيش السوري. أظهر اجتماع وفد وزارة الدفاع مع “قسد” في الحسكة استعداد الطرفين لبدء تنفيذ اتفاق الدمج.
المطروح هو تشكيل ثلاثة ألوية تابعة لوزارة الدفاع، بمعدل ألف إلى 1300 مقاتل لكل لواء، مع تضمين كتيبة تابعة لوحدات حماية المرأة في كل لواء. سيتم نشر هذه الألوية في مواقع عسكرية متفق عليها حول الحسكة، بالإضافة إلى لواء في عين العرب (كوباني). من المتوقع أن يتم توظيف المقاتلين الذين لن ينضموا إلى الجيش في وظائف مدنية أو العودة إلى أعمالهم السابقة.
يبقى ملف دمج “قسد” في الجيش السوري الأكثر تعقيداً، حيث تسعى “قسد” للحفاظ على بعض الاستقلالية وتأمين حقوق الأكراد ضمن الدستور السوري. هناك اتجاهان داخل “قسد”: أحدهما يفضل الاندماج والانتقال إلى العمل السياسي، والآخر يسعى للحفاظ على “جيب كردي” في شمال شرق سوريا.
في الختام، يشكل تنفيذ اتفاقات دمشق و”قسد” خطوة مهمة نحو استقرار الأوضاع في شمال شرق سوريا. من المتوقع أن يستمر العمل على تنفيذ البنود المتبقية في الاتفاق خلال الأشهر القادمة، مع التركيز على دمج “قسد” في الجيش السوري وتأمين حقوق الأكراد. يبقى من الضروري مراقبة التطورات على الأرض وتقييم تأثيرها على الاستقرار الإقليمي.










