أثار مشروع قانون إسرائيلي جديد يهدف إلى “الإشراف” على الآثار في الضفة الغربية إدانات دولية وعربية واسعة النطاق. يُخشى أن يمثل هذا القانون، الذي يمنح وزير التراث صلاحيات واسعة، تصعيداً في جهود الضمّ وتجاوزاً للقانون الدولي. ويثير المشروع مخاوف بشأن مستقبل التراث الثقافي الفلسطيني والسيطرة الإسرائيلية المتزايدة على الأراضي المحتلة.
كشفت إسرائيل عن مشروع القانون مؤخراً، ومن المتوقع أن يخضع لثلاث قراءات في الكنيست الإسرائيلية، حيث من المرجح أن يتم إقراره بحلول نهاية الشهر الجاري. ويتيح القانون المقترح لوزير التراث تعيين مجلس إداري لتحديد المواقع الأثرية ومصادرة الأراضي والآثار في جميع أنحاء الضفة الغربية، مما يثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة.
الآثار في الضفة الغربية: مشروع القانون والانتقادات الدولية
ترى منظمات إسرائيلية وفلسطينية ودولية أن مشروع القانون يمثل “ضمّاً خارج الحدود الإقليمية” للضفة الغربية. وحذرت منظمات مثل “السلام الآن” و”مبادرة جنيف” و”عيمق شافيه” من أن القانون يقوّض اتفاقية أوسلو الثانية، التي تنص على مسؤولية السلطة الفلسطينية عن إدارة الآثار في مناطق معينة.
بالإضافة إلى ذلك، يثير مشروع القانون مخاوف بشأن انتهاكه لاتفاقية لاهاي لعام 1954 واتفاقية جنيف الرابعة، اللتين تحظران على قوة احتلال إجراء تغييرات مؤسسية دائمة أو ممارسة حقوق سيادية في الأراضي المحتلة. وتؤكد هذه الاتفاقيات على أهمية الحفاظ على التراث الثقافي وحماية حقوق السكان المحليين.
اتفاقيات أوسلو وتقسيم المناطق
تقسم اتفاقيات أوسلو، الموقعة في عامي 1993 و 1995، الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: أ، ب، وج. بموجب هذه الاتفاقيات، تتولى السلطة الفلسطينية إدارة التراث في المنطقتين أ و ب، بينما تحتفظ إسرائيل بسلطتها على المواقع التراثية في المنطقة ج وتشرف على الأمن في المنطقة ب. ويعتبر هذا التقسيم أساساً للتعاون الإسرائيلي الفلسطيني في مجال الآثار، لكن مشروع القانون الجديد يهدد هذا التعاون.
سبسطية: حالة دراسية للنزاع على الآثار
أصبحت بلدة سبسطية الأثرية في نابلس محوراً للجدل بعد إعلان السلطات الإسرائيلية عن خطط للاستيلاء على موقع أثري يطل على البلدة، والذي يقع في المنطقة “ب”. يعتبر رئيس بلدية سبسطية، محمود عازم، هذا الإجراء “عدواناً” يهدد سبل عيش 3500 فلسطيني يعتمدون على السياحة في الموقع وبساتين الزيتون المجاورة. كما يرى أن هذا يمثل “انتهاكاً لتاريخ فلسطين وتراثها”.
تُعدّ سبسطية، بموقعها الأثري وبلدتها القديمة، من أهم المواقع الأثرية في الضفة الغربية، وقد أُدرجت على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو في فلسطين منذ عام 2012. يمتد تاريخ الموقع عبر العصور الحديدية والهيلينستية والرومانية والبيزنطية والصليبية والمملوكية والعثمانية، مما يجعله شاهداً على حضارات متعددة.
“منتزه شومرون” ومصادرة الأراضي
وفقاً لتقرير نشره موقع “ART news”، تسعى السلطات الإسرائيلية إلى إعادة تصنيف موقع سبسطية كأرض إسرائيلية استناداً إلى مراجع توراتية. ويشير التقرير إلى أن المشروع الجديد في سبسطية، الذي سيُطلق عليه اسم “منتزه شومرون الوطني”، سيغطي مساحة 450 فداناً، مما يجعله أكبر عملية مصادرة أراضٍ لمشروع أثري في الضفة الغربية منذ عام 1967.
وكانت صحيفة “هآرتس” قد نشرت تقريراً في نوفمبر 2023 أوضحت فيه أن إسرائيل تعتزم مصادرة مئات الأفدنة من الأراضي الفلسطينية لصالح موقع أثري في الضفة الغربية. ويعتبر هذا الأمر من نوعه الأكبر لمشروع أثري منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، ومن المتوقع أن يؤثر على سكان القرى الفلسطينية المجاورة، حيث قد تُقتلع آلاف أشجار الزيتون المملوكة للفلسطينيين.
صرح بنيامين هار-إيفن، مسؤول الآثار في الإدارة المدنية، للقناة السابعة الإسرائيلية بأن سبسطية من أهم المواقع الأثرية في يهودا والسامرة، وأن المصادرة ستمكن من حماية الآثار وترميم الأضرار وجعل الموقع متاحاً للأجيال القادمة.
من المتوقع أن يستمر الجدل حول مشروع القانون ومستقبل الآثار في الضفة الغربية. سيراقب المراقبون عن كثب تصويت الكنيست على مشروع القانون، وردود الفعل الدولية، وتأثيره على التراث الثقافي الفلسطيني وحقوق السكان المحليين. يبقى من غير الواضح ما إذا كان القانون سيتم إقراره بصيغته الحالية، أو ما إذا كانت ستطرأ عليه تعديلات نتيجة للضغوط الدولية.










