وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، أمرًا تنفيذيًا مثيرًا للجدل يهدف إلى فرض قيود أكثر صرامة على التصويت عبر البريد، وذلك في ظل تعثر جهود مماثلة في الكونجرس. يأتي هذا الإجراء قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024، ويشمل توجيهات لإدارة لإنشاء قائمة بأسماء المواطنين الأمريكيين المؤهلين للتصويت في كل ولاية، مما أثار ردود فعل قوية من مسؤولي الانتخابات الديمقراطيين الذين وصفوه بأنه تدخل غير قانوني في العملية الانتخابية.
أقرّ ترامب بأن هذا الأمر التنفيذي قد يواجه تحديات قانونية، لكنه أعرب عن ثقته في صموده. ووفقًا لتقارير صحفية، صرح ترامب قبل التوقيع على الأمر في المكتب البيضاوي: “أعتقد أنه محكم للغاية. وربما يواجه بعض العراقيل، وربما لا.” يهدف الأمر إلى تعزيز سلطة خدمة البريد الأمريكية الفيدرالية في تحديد من يحصل على بطاقات الاقتراع البريدية.
قيود على التصويت عبر البريد وتحديات قانونية محتملة
يتضمن الأمر التنفيذي توجيه وزارة الأمن الداخلي لإنشاء ما يسمى بـ “قائمة جنسية الولاية” بالاعتماد على بيانات من سجلات الجنسية والتجنيس، وسجلات الضمان الاجتماعي، وقواعد بيانات فيدرالية أخرى. سيتم إرسال هذه القائمة إلى مسؤولي الانتخابات في الولايات، مع توجيه المدعي العام لإعطاء الأولوية لمقاضاة أي مسؤول انتخابي يقدم بطاقات اقتراع فيدرالية لناخبين غير مؤهلين. بالإضافة إلى ذلك، يلزم الأمر خدمة البريد الأمريكية بعدم إرسال بطاقات الاقتراع عبر البريد أو بطاقات الاقتراع الغيابي لأي شخص غير مدرج في هذه القائمة.
أثار هذا الأمر رد فعل عنيفًا من قبل خبراء الانتخابات ومسؤولي الانتخابات الديمقراطيين، الذين اعتبروه تجاوزًا لسلطة الرئيس وتدخلاً في العملية الانتخابية التي من المفترض أن تكون من اختصاص الولايات. تعهد مسؤولون في ولايتي أريزونا وأوريجون بالطعن في الأمر التنفيذي أمام المحكمة، كما أعلن المحامي الديمقراطي المتخصص في قضايا الانتخابات، مارك إلياس، عن عزمه رفع دعوى قضائية.
انتقادات من مسؤولي الولايات
أدلى سكرتير عام ولاية أريزونا، أدريان فونتيس، بتصريح ينتقد فيه الأمر التنفيذي، مؤكدًا أن الدستور لا يسمح للسلطة التنفيذية بالسيطرة على إدارة الانتخابات. وأضاف فونتيس أن هذا الأمر “مضيعة كبيرة للوقت” ومحاولة من إدارة ترامب لجذب الانتباه. كما شدد على أن “أكبر تهديد للانتخابات الأمريكية هو أكاذيب دونالد ترامب بشأنها.”
يذكر أن الدستور الأمريكي لا يمنح السلطة التنفيذية أي سلطة صريحة فيما يتعلق بالانتخابات، بل يمنح الولايات سلطة واسعة في إجراء الانتخابات، بما في ذلك تحديد “الزمان والمكان والكيفية”. ويحق للكونجرس سن قوانين للإشراف على الانتخابات.
هذا الأمر ليس الأول من نوعه الذي يصدر عن إدارة ترامب بهدف تقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع. فقد عطلت المحاكم أمرًا تنفيذيًا سابقًا وقعه ترامب العام الماضي، والذي كان يهدف إلى اشتراط تقديم إثبات موثق للجنسية للتصويت. وفي يناير الماضي، منع قاضٍ فيدرالي الإدارة من حجب التمويل الفيدرالي المخصص للانتخابات عن الولايات التي لا تغير إجراءات التصويت لديها بما يتماشى مع مطالب الرئيس.
مخاوف بشأن دقة البيانات وقاعدة بيانات الناخبين الوطنية
يرى خبراء الانتخابات أن أي قائمة وطنية للناخبين ستكون عرضة للأخطاء، نظرًا لأن سجلات الناخبين في كل ولاية تتغير باستمرار. وبالفعل، واجهت وزارة العدل صعوبات في إنشاء قاعدة بيانات وطنية للناخبين، حيث وافقت 12 ولاية فقط على تقديم بياناتها من أصل 50 ولاية.
يأتي هذا الأمر التنفيذي في الوقت الذي يضغط فيه ترامب على الكونجرس لإقرار مشروع قانون يفرض قيودًا على التصويت والتصويت عبر البريد، ويلزم الولايات بتسليم سجلات الناخبين إلى وزارة الأمن الداخلي. لكن هذا التشريع يواجه معارضة قوية من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين.
على الرغم من أن ترامب كان متشككًا في التصويت عبر البريد لفترة طويلة، إلا أنه لم يتخذ موقفًا أكثر عدوانية إلا عندما أصبح ذلك عبئًا حزبياً. ففي انتخابات عام 2020، تفوق الديمقراطيون بشكل كبير على الجمهوريين في التصويت عبر البريد. وفي انتخابات عام 2024، أفاد 37% من الديمقراطيين بالتصويت عبر البريد، مقارنة بـ 24% من الجمهوريين.
من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة معارك قانونية حول هذا الأمر التنفيذي، حيث تسعى الولايات الديمقراطية إلى منع تنفيذه. كما من المرجح أن يستمر الجدل حول الانتخابات الرئاسية ونزاهة الانتخابات في الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات في نوفمبر 2024. سيكون من المهم متابعة التطورات القانونية وردود فعل الولايات المختلفة، بالإضافة إلى أي تغييرات في موقف الكونجرس بشأن مشروع القانون المقترح.










