أمراض المناعة الذاتية تسجل تزايداً ملحوظاً وتهدد نظم الرعاية الصحية
تسجل أمراض المناعة الذاتية ارتفاعاً متزايداً في الأنظمة الصحية حول العالم، بحسب تقديرات تشير إلى إصابة ما بين 5% و10% من السكان بأنواع مختلفة من هذه الأمراض. وتظهر بيانات دراسة واسعة على سجلات نحو 22 مليون شخص في بريطانيا أن 19 مرضاً مناعياً ذاتياً أصابت مجتمعة نحو 10% من السكان، ما يرفع تساؤلات حول أسباب الزيادة وأثرها على الصحة العامة.
السبب الدقيق لا يزال معقداً ومتعدد الأوجه، إذ يجمع العلماء بين الاستعداد الجيني والتعرضات البيئية ونمط الحياة والعدوى، بينما يسهِم التطور في أدوات التشخيص، ولا سيما التشخيص الجيني، في كشف متلازمات كانت مجهولة سابقاً.
أمراض المناعة الذاتية: أسباب وآليات انتشار
تحدث أمراض المناعة الذاتية عندما يخطئ جهاز المناعة في التمييز بين خلايا الجسم السليمة والمستضدات، فيهاجم أنسجة سليمة مسبباً التهاباً مزمناً واضطراباً في وظائف الأعضاء. ومن ناحية أخرى، تشير الأدلة إلى أن الجينات تحدد عرضة الإصابة بينما تعزّز العدوى والتدخين والسمنة وتغير الميكروبيوم والملوثات البيئية احتمالات ظهور المرض.
تختلف معدلات الانتشار حسب المرض والمنطقة؛ فبعض الأمراض مثل داء البطني والذئبة والروماتويد سجلت ارتفاعاً في عدة دول، بينما تبقى أمراض نادرة مثل متلازمات حديثة الظهور محدودة العدد، لكن العبء الإجمالي مرشّح للزيادة مع شيخوخة السكان وتوسع الفحوص.
التشخيص الجيني والمتلازمات المناعية الجديدة
أفضى التقدم في التسلسل الجيني إلى تعريف متلازمات لم تكن معروفة سابقاً، مثل متلازمة فيكساس ومتلازمة سافي ومتلازمة كوبا، التي تبيّن أنها ترتبط بطفرات مكتسبة أو وراثية تغيّر مسارات مناعية محددة. وفي هذا السياق أصبح التشخيص الجيني أداة مركزية في إعادة تصنيف حالات كانت تُشخّص سابقاً كاضطرابات التهابية غير محددة.
مثلاً، اكتُشفت متلازمة فيكساس عام 2020 بعد رصد طفرات في جين UBA1 لدى مرضى كبار في السن يعانون التهابات نظامية واضطرابات دموية، أما متلازمة سافي فتبدأ غالباً في الطفولة بسبب فرط نشاط مسار STING المناعي، ومتلازمة كوبا تظهر عبر طفرات قد لا تُظهر المرض لدى كل الحاملين لها بسبب عدم النفاذ الكامل للطفرات.
المواد البيرفلورية والبولي فلورية والمبيدات الزراعية تحت المراجعة
تتجه الأنظار نحو عوامل بيئية محددة قد تسهم في ارتفاع أمراض المناعة الذاتية، من بينها المواد البيرفلورية والبولي فلورية التي تستخدم منذ عقود في منتجات مقاومة للماء والدهون. وخلصت مراجعة منشورة في دورية Archives of Toxicology في أبريل 2026 إلى ارتباطات بين التعرض لهذه المواد وبعض مؤشرات المناعة الذاتية، مع أدلة أقوى لداء البطني والتهاب الأمعاء.
من ناحية أخرى، تقترح دراسات ربطاً بين أنواع معينة من المبيدات الزراعية ومخاطر أعلى للإصابة بأمراض مناعية مثل الذئبة ومتلازمة شوغرن والالتهابات الروماتيزمية. ومع ذلك، تبقى النتائج متباينة وتعتمد على نوع المادة ومدة وشدة التعرض والسكان المدروسين، ولذلك يؤكد الباحثون حاجة الميدان إلى دراسات طولية ومتماسكة.
فيروسات وكوفيد: محفزات محتملة لاضطراب المناعة
تُدرج العدوى الفيروسية من محفزات المناعة الذاتية التي تحققها الأبحاث، ويشمل ذلك فيروس إبشتاين-بار وبعض الفيروسات الغدية والمضخمة للخلايا. وقد أظهرت دراسات أن الإصابة بفيروس كورونا تزيد لاحقاً مخاطر تشخيص أمراض روماتيزمية مناعية لدى بعض المرضى، مع علاقة أقوى لدى من خضعوا لعدوى شديدة.
أما كوفيد طويل الأمد فتبقى تقديرات انتشاره متفاوتة للغاية بحسب تعريف الحالة وفترات المتابعة، وتشير مراجعات حديثة إلى تفاوت هائل بين الدراسات، مما يحتم تفسير النتائج بحذر ومتابعة الأبحاث المستقبلية حول علاقة كوفيد ببدء أو تفاقم أمراض مناعية.
ماذا يعني ذلك للمرضى والأنظمة الصحية؟
الزيادة المحتملة في حالات أمراض المناعة الذاتية ستضع ضغوطاً متنامية على خدمات الرعاية الأولية والتخصصية وضرورة توسيع الاختبارات الجينية والبنى التشخيصية. علاوة على ذلك، فإن فهم الروابط البيئية قد يدفع إلى سياسات تنظيمية بشأن المواد الكيميائية الخطرة والمبيدات، بالإضافة إلى حملات توعية للوقاية من عوامل نمط الحياة مثل التدخين والسمنة.
في المقابل، يحمل التقدم العلمي أملاً في تشخيص أسرع وعلاجات موجهة أكثر، إذ تتيح معرفة الطفرات والمسارات المناعية تصميم تدخلات دوائية مخصّصة، ولكن التطبيق العملي يتطلب تكاليف وبنية بحثية قوية.
خلاصة وخطوات قادمة
تشير الأدلة الحالية إلى أن الارتفاع في أمراض المناعة الذاتية ناجم عن تداخل عوامل جينية وبيئية وبسبب تحسن القدرة على التشخيص، ولا يمكن نسب الزيادة إلى سبب واحد. وعلى المدى القريب، يجب التركيز على دراسات طولية معمقة، ومراقبة التعرضات البيئية مثل المواد البيرفلورية والمبيدات، وتوسيع الوصول إلى التشخيص الجيني.
ينبغي أن يراقب القارئ التطورات البحثية في السنتين القادمتين خصوصاً نتائج دراسات طويلة الأمد حول PFAS وتأثيرات كوفيد، كما أن التشريعات والسياسات الصحية ستلعب دوراً محورياً في الحد من التعرضات وحماية الفئات الأكثر عرضة.









