أعلن الاتحاد الأوروبي والهند عن التوصل إلى اتفاق “تاريخي” للتجارة الحرة يوم الثلاثاء، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين وتخفيف الاعتماد على الأسواق التقليدية. يمثل هذا الاتفاق، الذي يأتي بعد عقدين من المفاوضات المتقطعة، نقطة تحول في التجارة الحرة بين الكتلتين، حيث يتوقع خفض الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع والخدمات. ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه كلا الطرفين إلى تنويع شراكاتهما التجارية في ظل التوترات العالمية المتزايدة.
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاتفاق بأنه “صفقة القرن”، مؤكدةً أنه سيؤسس منطقة تجارية حرة تضم أكثر من ملياري نسمة. وأضاف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن الاتفاق يمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي وثلث حجم التجارة العالمية، مشيراً إلى الفرص الهائلة التي سيخلقها للمستهلكين والشركات في كلا الجانبين.
عقدان من المفاوضات تؤدي إلى اتفاق التجارة الحرة
بعد حوالي 20 عامًا من المفاوضات التي بدأت في عام 2007، يمهد هذا الاتفاق الطريق أمام الهند لفتح أسواقها أمام السلع الأوروبية، مع تخفيضات كبيرة في الرسوم الجمركية على السيارات والآلات والمنتجات الزراعية والمشروبات الكحولية. يأتي هذا في وقت تسعى فيه الهند إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز قطاعاتها الصناعية.
وبحسب مسؤول حكومي هندي، فإن التوقيع الرسمي على الاتفاقية قد يستغرق ما بين خمسة إلى ستة أشهر لإجراء التدقيق القانوني اللازم، مع توقع بدء تنفيذه الكامل خلال عام. ويعتبر هذا الجدول الزمني متسارعًا نسبيًا بالنظر إلى التعقيدات التي واجهت المفاوضات على مر السنين.
التأثير على القطاعات الرئيسية
من المتوقع أن يستفيد قطاع السيارات الأوروبي بشكل كبير من الاتفاق، حيث سيحصل على وصول أفضل إلى السوق الهندية. كما أن قطاع الآلات والمعدات الصناعية سيشهد زيادة في الصادرات بفضل تخفيض الرسوم الجمركية. وفيما يتعلق بالخدمات، يتوقع مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة، ماروش شيفتشوفيتش، أن تشهد قطاعات مثل الاتصالات والخدمات البحرية والخدمات المالية نموًا ملحوظًا.
بالإضافة إلى ذلك، يهدف الاتفاق إلى تعزيز التعاون في مجال الاستثمار وحماية حقوق الملكية الفكرية، مما سيخلق بيئة أكثر جاذبية للشركات الأوروبية والهندية على حد سواء. وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي بلغ 136.5 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في مارس 2025.
خلفية الاتفاق: تحالفات جديدة في عالم متغير
يأتي هذا الاتفاق في سياق عالمي يشهد تحولات كبيرة في التحالفات التجارية، خاصةً في ظل السياسات الحمائية التي اتبعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. فقد فرض ترمب رسومًا جمركية على العديد من الشركاء التجاريين، بما في ذلك الهند، مما دفع نيودلهي إلى البحث عن أسواق بديلة.
وبالفعل، قامت الهند بتوقيع اتفاقيات تجارية مماثلة مع دول أخرى مثل المملكة المتحدة ونيوزيلندا وعُمان. كما أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تنويع علاقاته التجارية وتقليل اعتماده على الولايات المتحدة والصين. وقد وقّع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقيات مع تكتل “ميركوسور” في أميركا الجنوبية وإندونيسيا والمكسيك وسويسرا.
يعكس هذا التحول في السياسات التجارية العالمية رغبة الدول في تأمين سلاسل الإمداد الخاصة بها وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على سوق واحد. كما أنه يشير إلى أن التجارة العالمية تشهد حقبة جديدة من التنافس والتعاون بين القوى الاقتصادية الكبرى.
يُعد هذا الاتفاق بمثابة إشارة قوية إلى التزام الهند والاتحاد الأوروبي بتعزيز علاقاتهما الاقتصادية والاستراتيجية. ومن المتوقع أن يساهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة النمو الاقتصادي في كلا الجانبين.
الخطوة التالية تتضمن التصديق الرسمي على الاتفاقية من قبل البرلمانات في كلا الجانبين، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر. وينبغي مراقبة التطورات السياسية والاقتصادية في كل من الهند والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ردود الفعل من الشركاء التجاريين الآخرين، لتقييم التأثير الكامل لهذا الاتفاق على العلاقات التجارية الدولية. كما أن تنفيذ الاتفاقية بشكل فعال يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الجانبين ومعالجة أي تحديات قد تنشأ.










