أثار إعلان الحكومة الكوبية عن مقتل عناصر من قواتها المسلحة خلال عملية أمنية في فنزويلا، والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تساؤلات حول الدور الأمني الذي تلعبه هافانا في حماية قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس. وتعود جذور هذا التعاون الأمني إلى سنوات طويلة، وتحديداً منذ وصول هوجو تشافيز إلى السلطة في عام 1999، حيث شهدت العلاقة بين البلدين تطوراً كبيراً، خاصة في المجالات الأمنية والعسكرية. هذا التعاون، الذي يثير جدلاً واسعاً، يضع فنزويلا في دائرة الضوء ويطرح أسئلة حول استقرارها السياسي والأمني.
وكالات الأنباء أشارت إلى أن كوبا قدمت دعماً أمنياً لمادورو منذ توليه الرئاسة في عام 2013، لكن حجم هذا الدعم ظل غير واضح حتى الآن. ومع ذلك، فإن هذه الحادثة الأخيرة سلطت الضوء على عمق هذا التعاون، وأثارت مخاوف بشأن التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لفنزويلا.
تاريخ التعاون الأمني بين فنزويلا وكوبا
لم يبدأ وجود حراس كوبيين في فنزويلا مع نيكولاس مادورو، بل يعود إلى فترة حكم سلفه، هوجو تشافيز. فبعد توليه السلطة، سعى تشافيز إلى تعزيز علاقاته مع كوبا، وقام بتطوير تعاون وثيق معها في مختلف المجالات، بما في ذلك الأمن. وقد تعزز هذا التعاون بشكل خاص بعد أحداث عام 2002.
“صدمة 2002” نقطة تحول حاسمة
في أبريل 2002، تعرض الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز لمحاولة انقلاب أطاحت به مؤقتاً. ووفقاً لموسوعة بريتانيكا، استعاد تشافيز السلطة بعد يومين تقريباً بفضل احتجاجات أنصاره وتحول بعض القوات إلى جانبه. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً على تشافيز، وأدرك من خلالها أهمية وجود أجهزة أمنية موثوقة وقادرة على حمايته من أي تهديدات.
بعد هذه التجربة، بدأت “عقيدة أمنية” جديدة في التبلور، مفادها أنه في حال عدم الثقة في المؤسسة العسكرية والاستخبارات المحلية، يحتاج الزعيم إلى طبقات حماية إضافية. ومن هنا، دخلت كوبا، بحكم علاقاتها الوثيقة مع تشافيز وانتمائها إلى “المعسكر الاشتراكي”، إلى قلب المنظومة الأمنية الفنزويلية.
تحقيقات استقصائية أجرتها وكالة رويترز في عام 2019 كشفت أن تشافيز، بمباركة من فيدل كاسترو، أدخل مستشارين كوبيين إلى دائرته الداخلية لـ”تشديد الأمن”. كما بدأت حملة تطهير داخل جهاز الاستخبارات وبعض الصفوف العليا في الجيش. ووفقاً لمصادر مطلعة، أبرم البلدان اتفاقيتين منحتا كوبا وصولاً عميقاً إلى الجيش الفنزويلي، وحرية واسعة للتجسس وإعادة هيكلته.
هاتان الاتفاقيتان أدتتا إلى إنشاء جهاز استخبارات محلي يُعرف باسم “المديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري” (DGCIM)، والذي يمارس رقابة صارمة على القوات الفنزويلية. وبإشراف مستشارين عسكريين كوبيين، تم إعادة تشكيل هذا الجهاز ليصبح أداة للتجسس على القوات المسلحة نفسها، بهدف “زرع الخوف والارتياب وقمع أي معارضة”.
وبحسب تقارير، فقد توسع الجهاز من بضع مئات في بداية عهد تشافيز إلى ما لا يقل عن 1500 عميل في عام 2019. وقد اتهم تقرير حديث للأمم المتحدة الجهاز بـ”ممارسة التعذيب”، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والخنق والإيهام بالغرق والعنف الجنسي والحرمان من الماء والغذاء.
في عهد مادورو، صعد ضباط الجهاز إلى مناصب عليا، بما في ذلك قيادة فريق حمايته الشخصية. وهذا ما أثار انتقادات المعارضة، التي اتهمت مادورو بإخضاع القوات المسلحة من خلال الاعتماد على جهاز أمني يسيطر عليه الكوبيون.
لماذا كوبا تحديداً؟
يعود اختيار كوبا إلى التحالف الاقتصادي والأيديولوجي العميق الذي نسجه هوجو تشافيز مع هافانا. فقد قامت هذه العلاقة على تبادل النفط الفنزويلي مقابل الخدمات البشرية الكوبية، مثل الأطباء والمدرسين والخبراء. كما أن الخطاب الأيديولوجي المشترك حول “التضامن الثوري” ومناهضة النفوذ الأميركي ساهم في تعزيز هذا التحالف. ومع مرور الوقت، أصبح النفط الفنزويلي شريان الحياة للاقتصاد الكوبي، مما جعل بقاء النظام في كراكاس أمراً حيوياً لهافانا.
وتشير التقارير إلى أن كوبا قامت بتدريب كوادر المديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري، وتحويلها إلى أداة رقابة داخلية واسعة النطاق داخل الثكنات العسكرية. وقد زرعت الاستخبارات عملاء لجمع ملفات عن “مثيري الشغب” المشتبه بهم، ورصد أي مؤشرات على عدم الولاء.
مستقبل العلاقة الأمنية الفنزويلية الكوبية
مع اعتقال مادورو، يواجه النظام الفنزويلي مرحلة انتقالية غير مؤكدة. ومن المتوقع أن تشهد العلاقة الأمنية بين فنزويلا وكوبا تغييرات كبيرة في المستقبل القريب. ما إذا كانت هذه التغييرات ستؤدي إلى تقليل النفوذ الكوبي في فنزويلا، أو إلى تعزيزه، يعتمد على نتائج التحقيقات الجارية وتطورات الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد. من المهم مراقبة رد فعل الحكومة الكوبية على هذه الأحداث، وكيف ستتعامل مع التحديات الجديدة التي تواجهها في المنطقة.










