(في ذاكرتي كان هو الناجح المحبوب، وأنا النحيف المنغلق. كنت أشعر بالذنب وبأنني الذي كان يجب أن يموت وليس هو، وهذا “عقدني جداً”، وظلت هذه العقدة تطاردني كثيراً، بل كانت من أشد العقد التي أثرت بي) – يوسف شاهين متحدثاً عن أخيه الأكبر ألفريد – (الجريدة الكويتية). هذه الكلمات الموجزة تلخص أحد أبرز المحاور التي شكلت رؤية المخرج المصري يوسف شاهين الفنية، وهي عقدة الأخ الأكبر، التي تجلت في العديد من أعماله السينمائية على مدار مسيرته الطويلة. تعد هذه العقدة عنصراً أساسياً لفهم ديناميكيات الشخصيات والصراعات الدرامية في أفلامه.
منذ بداياته السينمائية، لم يغادر شاهين بيت العائلة في أفلامه، بل جعل الأسرة بؤرة للصراعات الداخلية والأزمات. هذه التركيبة العائلية، وتحديداً علاقة الأخوة، كانت بمثابة مرآة تعكس قضايا أعمق تتعلق بالهوية، والنجاح، والفشل، والذنب، والموت. تأثر شاهين بشكل كبير بالتراجيديا الهاملتية، مما أضفى على أعماله طابعاً درامياً عميقاً.
“ابن النيل” وبدايات عقدة الأخ الأكبر
يمكن تتبع جذور عقدة الأخ الأكبر في أعمال شاهين منذ فيلمه الأول “بابا أمين” (1950)، ولكنها بدأت تتضح بشكل خاص في فيلم “ابن النيل” (1951). في هذا الفيلم، تظهر العلاقة المتوترة بين حِميدة وأخيه الأكبر إبراهيم. يمثل إبراهيم الاستقرار والحكمة والرزانة، بينما يجسد حِميدة التمرد والرغبة في الانفلات من قيود القرية. هذا التناقض يخلق صراعاً داخلياً لدى حِميدة، حيث يشعر بالغيرة من أخيه ويسعى إلى التفوق عليه بأي ثمن.
بعد “ابن النيل”، استمر شاهين في استكشاف هذه الديناميكية في أفلام أخرى مثل “نساء بلا رجال” (1953) و”صراع في الوادي” (1954). في هذه الأفلام، غالباً ما يظهر الأخ الأكبر كشخصية سلطوية تفرض قيوداً على حياة أخيه الأصغر، مما يؤدي إلى صراعات وخلافات. لم يكن هذا التكرار مجرد صدفة، بل كان جزءاً من التأكيد على البصمة الجينية لعالم شاهين السينمائي.
“حب إلى الأبد” ومحاكمة الأخ الأكبر
مع فيلم “حب إلى الأبد” (1959)، انتقل شاهين إلى مرحلة جديدة في تعامله مع عقدة الأخ الأكبر. في هذا الفيلم، لا يقتصر الأمر على التمرد على سلطة الأخ الأكبر، بل يتجاوز ذلك إلى محاكمة الأخ الأكبر نفسه. يصور الفيلم صراعاً بين الأخوين أشرف ومحمود، حيث يمثل محمود المحامي الناجح السلطة والنفاق، بينما يمثل أشرف الكاتب الشاب التمرد والصدق. هذا الصراع يكشف عن الجوانب المظلمة في شخصية الأخ الأكبر، ويبرز الفساد والزيف الذي يكمن وراء مظهره المثالي.
يعتبر “حب إلى الأبد” نقطة تحول في سينما شاهين، حيث بدأ في استخدام الأفلام كوسيلة لفضح الظلم الاجتماعي والسياسي. كما أنه بدأ في استكشاف قضايا أكثر تعقيداً تتعلق بالهوية والأخلاق والقيم.
تطور العقدة في أعمال لاحقة
استمرت عقدة الأخ الأكبر في الظهور في أعمال شاهين اللاحقة، مثل “فجر يوم جديد” (1965) و”الأرض” (1969) و”الاختيار” (1971). في هذه الأفلام، تتخذ العقدة أشكالاً مختلفة، ولكنها تظل دائماً محوراً أساسياً للصراع الدرامي. في “فجر يوم جديد”، يمثل الأخ الأكبر الصحفي الهمام الذي يكشف عن فساد المجتمع، بينما يمثل الأخ الأصغر الشاب المتمرد الذي يسعى إلى التغيير. في “الأرض”، يمثل الأخ الأكبر الفلاح القحف الذي يتبع الأخ الأصغر المتعلم بشكل أعمى. وفي “الاختيار”، يمثل الأخ الأكبر ضابط الجيش الذي يفرض سلطته على أخيه الأصغر الكاتب.
في فيلم “إسكندرية ليه” (1978)، وهو الجزء الأول من سيرته الذاتية، يعود شاهين إلى جذور عقدة الأخ الأكبر، ويكشف عن تأثيرها العميق على حياته. في هذا الفيلم، يتذكر شاهين وفاة أخيه الأكبر ألفريد، وكيف شعر بالذنب والمسؤولية عن موته. هذا الشعور بالذنب يطارده طوال حياته، ويؤثر على علاقاته مع الآخرين.
أهمية العقدة في فهم سينما شاهين
إن فهم عقدة الأخ الأكبر أمر ضروري لفهم سينما يوسف شاهين. فهذه العقدة ليست مجرد تفصيلة درامية، بل هي عنصر أساسي في رؤيته الفنية. من خلال استكشاف هذه العقدة، تمكن شاهين من طرح قضايا مهمة تتعلق بالهوية، والنجاح، والفشل، والذنب، والموت. كما تمكن من تقديم شخصيات معقدة ومتعددة الأبعاد، تعكس التناقضات والصراعات التي يعيشها الإنسان.
تظل أعمال يوسف شاهين مصدراً للإلهام والتحليل النقدي، وستستمر في إثارة الجدل والنقاش لسنوات قادمة. من المتوقع أن تستمر الدراسات والبحوث في الكشف عن جوانب جديدة في أعماله، وتعميق فهمنا لرؤيته الفنية الفريدة.










