كشفت دراسة علمية حديثة عن ارتباط وثيق بين الإصابة بفيروسات الإنفلونزا من النوع A وأمراض القلب والأوعية الدموية، مسلطة الضوء على آلية خلوية دقيقة تساهم في تلف عضلة القلب وزيادة خطر حدوث مضاعفات قلبية خطيرة. توصل باحثون في مستشفى ماونت سايناي وكلية إيكان للطب في الولايات المتحدة إلى أدلة جديدة توضح كيف يمكن للإنفلونزا الشديدة أن تؤثر بشكل مباشر على صحة القلب.
نُشرت نتائج الدراسة في دورية Immunity، وتستند إلى تحليلات شملت نماذج حيوانية وبيانات بشرية. أظهرت الدراسة أن مسارًا مناعيًا محددًا يلعب دورًا رئيسيًا في إحداث تلف في عضلة القلب بعد الإصابة الشديدة بالإنفلونزا، مما يفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة تستهدف هذا المسار.
الإنفلونزا وأمراض القلب والأوعية الدموية
وفقًا للباحثين، فإن نتائج الدراسة تؤكد أهمية فهم التفاعلات المعقدة بين الجهاز المناعي والقلب أثناء الإصابة الفيروسية. تشير الدراسة إلى أن الاستجابة المناعية، على الرغم من كونها ضرورية لمكافحة الفيروس، يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تلف غير مقصود في عضلة القلب في بعض الحالات. هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو تطوير استراتيجيات علاجية أكثر فعالية لحماية المرضى المعرضين للخطر.
تعتبر فيروسات الإنفلونزا A مسؤولة عن ما يقرب من مليار إصابة سنويًا على مستوى العالم، وتتراوح شدة هذه الإصابات من أعراض خفيفة إلى حالات خطيرة قد تكون مهددة للحياة. في بعض الحالات، يمكن أن ينتشر الفيروس إلى القلب، مما يؤدي إلى التهاب عضلة القلب وموت الخلايا القلبية، وبالتالي ضعف وظائف القلب.
أنواع فيروسات الإنفلونزا
تنقسم فيروسات الإنفلونزا إلى أربعة أنواع رئيسية: A و B و C و D. يختلف كل نوع من حيث خصائصه الوبائية وقدرته على إحداث الأمراض. فهم هذه الاختلافات أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات فعالة للوقاية والعلاج.
- فيروس الإنفلونزا A هو الأكثر شيوعًا والأكثر قدرة على التسبب في أوبئة وجائحات، مثل جائحة إنفلونزا الخنازير.
- فيروس الإنفلونزا B يصيب البشر فقط وعادة ما يكون أقل حدة من النوع A، ولكنه لا يزال يمثل خطرًا على الصحة العامة.
- فيروس الإنفلونزا C يسبب عادة أعراضًا خفيفة ولا يرتبط بتفشيات واسعة النطاق.
- فيروس الإنفلونزا D يصيب بشكل رئيسي الحيوانات ولم يثبت حتى الآن أنه يسبب مرضًا لدى البشر.
تعتبر الإصابة بفيروس الإنفلونزا من النوع A هي الأكثر ارتباطًا بالمضاعفات الخطيرة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالقلب والأوعية الدموية.
آلية الضرر القلبي
حلل الباحثون بيانات من 35 مريضًا توفوا في المستشفى بسبب الإنفلونزا، ووجدوا أن أكثر من 85٪ منهم كانوا يعانون من مرض قلبي وعائي واحد على الأقل. وكشفت الدراسة عن أن مجموعة فرعية من خلايا الدم البيضاء، تُعرف باسم الخلايا قبل المتغصنة من النوع الثالث، تلعب دورًا حاسمًا في هذه العملية. تنتقل هذه الخلايا المصابة بالفيروس من الرئة إلى القلب، حيث تطلق كميات كبيرة من الإنترفيرون من النوع الأول، مما يؤدي إلى موت الخلايا العضلية القلبية.
وصف الباحثون هذه الخلايا بأنها تعمل كـ “حصان طروادة” داخل الجهاز المناعي، حيث تنقل الفيروس وتطلق استجابة مناعية مفرطة تضر بالقلب. هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية استهداف هذه الخلايا بشكل خاص في العلاجات المستقبلية.
أظهرت التجارب الأولية أن علاجًا تجريبيًا يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال المعدل (mRNA) يمكن أن يقلل من تلف القلب الناتج عن الإصابة بالإنفلونزا. يعمل هذا العلاج عن طريق تعديل مسار إشارات الإنترفيرون من النوع الأول، مما يقلل من الاستجابة المناعية المفرطة ويحمي عضلة القلب.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الأبحاث إلى أن عوامل الخطر التقليدية لأمراض القلب، مثل ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول، يمكن أن تزيد من خطر حدوث مضاعفات قلبية مرتبطة بالإنفلونزا. لذلك، من المهم للأشخاص الذين يعانون من هذه الحالات اتخاذ خطوات إضافية للوقاية من الإصابة بالإنفلونزا، مثل الحصول على التطعيم السنوي.
يواصل الباحثون حاليًا تطوير هذا العلاج التجريبي وتحسين طرق إيصاله إلى خلايا عضلة القلب. من المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية على البشر في غضون العامين المقبلين. تعتبر هذه التطورات واعدة، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به قبل أن يصبح هذا العلاج متاحًا على نطاق واسع. ستراقب الأوساط الطبية عن كثب نتائج هذه التجارب السريرية لتقييم فعالية وسلامة هذا النهج العلاجي الجديد.










