تمثل العملية العسكرية الأمريكية ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تطوراً غير مسبوق في التدخلات الدولية، حيث جرى اعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات والأسلحة. هذه الخطوة، التي وصفتها واشنطن بأنها “ضربة عسكرية واسعة النطاق”، تثير تساؤلات حول مستقبل فنزويلا والعلاقات الأمريكية اللاتينية، وتضع سابقة جديدة في التعامل مع رؤساء الدول المتهمين بجرائم.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن القبض على مادورو، مؤكداً أن العملية نُفذت بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة بعد تصاعد التوترات بين البلدين، والتي شملت ضربات أمريكية لقوارب يُزعم أنها تستخدم في تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي. تتهم الولايات المتحدة مادورو بالتورط الشخصي في تهريب المخدرات وبأنه “رئيس غير شرعي”، بينما يصف مادورو الاتهامات بأنها محاولة للسيطرة على النفط الفنزويلي.
تخطيط وتنفيذ عملية الاعتقال
لم تكن عملية القبض على مادورو ارتجالية، بل هي نتاج أشهر من التخطيط والتدريب الدقيق. وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن فريقاً سرياً من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تسلل إلى فنزويلا لجمع معلومات تفصيلية عن حياة الرئيس، بما في ذلك أماكن إقامته، ومسارات تنقله، وعاداته اليومية.
بالتوازي مع جمع المعلومات الاستخباراتية، قامت إدارة ترمب بزيادة العرض العسكري في المنطقة، حيث أمرت بعشرات الضربات ضد قوارب يُزعم أنها تستخدم في تهريب المخدرات. ووفقاً للجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، استغرقت عملية “العزم المطلق” شهوراً من التخطيط والتدريب، مع انتظار الظروف الجوية المناسبة.
دور الاستخبارات والتكنولوجيا
اعتمدت العملية بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة حول تحركات مادورو وحياته اليومية. وتمكن الفريق السري من تحديد أماكن تنقل مادورو، وأطعمةه المفضلة، وحتى الحيوانات الأليفة التي يربيها. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت قيادة الفضاء الإلكتروني وقيادة الفضاء الأمريكيين تأثيرات غير حركية لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية وتأمين الطريق للقوات الأمريكية.
أمر ترمب بالبدء في العملية قبل أربعة أيام من تنفيذها، لكن المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين اقترحوا عليه التمهل لحين تحسن الأحوال الجوية. وفي اللحظة التي تحسنت فيها الأحوال الجوية، أعطى ترمب الأمر بالبدء في العملية، حيث حلقت أكثر من 150 طائرة في سماء فنزويلا، بما في ذلك قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاع ومراقبة وطائرات مروحية.
العملية العسكرية في كاراكاس
هبطت المروحيات التي تقل قوة الاعتقال على ارتفاع منخفض فوق سطح الماء لتجنب الرصد، واقتربت من كاراكاس مع تعطيل الطائرات الأمريكية لأنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية. وقامت القوات الأمريكية بقطع التيار الكهربائي عن معظم أنحاء كاراكاس، مما أدى إلى الظلام الدامس في المدينة.
عندما اقتربت المروحيات من مجمع مادورو السكني، تعرضت لإطلاق نار، ما دفع القوات الأمريكية للرد بـ”قوة ساحقة ودفاعاً عن النفس”. تمكنت القوات الأمريكية من إلقاء القبض على مادورو ونقله إلى سفينة ثم إلى طائرة، هبطت لاحقاً في قاعدة ستيوارت الجوية في ولاية نيويورك.
الأسلحة المستخدمة في العملية
استخدمت القوات الأمريكية مجموعة متنوعة من الأسلحة والتكنولوجيا في العملية، بما في ذلك مقاتلات F-22 وF-35 وF-18EA، بالإضافة إلى طائرات مروحية من طراز MH-60 وMH-47. وتتميز هذه الطائرات بقدراتها الشبحية وقدرتها على شن هجمات جو – أرض بدقة عالية. كما استخدمت القوات الأمريكية تأثيرات غير حركية لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية.
أشاد الرئيس ترمب بالعملية، واصفاً إياها بأنها “مذهلة من حيث سرعة تنفيذها ودقتها”. وأكد أن العملية لم تسفر عن أي وفيات في صفوف القوات الأمريكية، واعتبر ذلك “أمراً مذهلاً”.
مستقبل فنزويلا والآثار الإقليمية
يأتي اعتقال مادورو في وقت تشهد فيه فنزويلا أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. من المتوقع أن يؤدي اعتقاله إلى مزيد من عدم الاستقرار في البلاد، وقد يؤدي إلى صراع على السلطة بين مختلف الفصائل السياسية.
من الناحية الإقليمية، قد تؤدي هذه العملية إلى توترات جديدة بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية، خاصة تلك التي تدعم حكومة مادورو. من المرجح أن تثير العملية جدلاً حول التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وحقوق السيادة.
الخطوة التالية المتوقعة هي محاكمة مادورو في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالمخدرات والأسلحة. ومع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت المحاكمة ستكون عادلة ونزيهة، وما إذا كانت ستؤدي إلى إدانته. من المهم مراقبة التطورات في فنزويلا عن كثب، وتقييم الآثار الإقليمية والدولية لهذه العملية غير المسبوقة.










