تتغير خريطة الكونجرس الأميركي بشكل ملحوظ قبل انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل. وقد أعلن حتى الآن 55 عضواً في الكونجرس، غالبيتهم من الجمهوريين، عن مغادرة مقاعدهم للترشح لمناصب أخرى أو الانسحاب الكامل من الحياة التشريعية، وهو رقم قياسي في هذه المرحلة المبكرة من الدورة الانتخابية. يعكس هذا التوجه قلقاً سياسياً متزايداً داخل الحزب الحاكم، ويشير إلى صراعات أجيالية داخل الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى أزمة أعمق في الكونجرس نفسه.
تأتي هذه الاستقالات في وقت يسعى فيه الرئيس السابق دونالد ترمب إلى تحدي القاعدة التاريخية التي تمنح عادةً حزب المعارضة الأفضلية في انتخابات ما بعد الرئاسة. ومع ذلك، فإن العدد الكبير للمغادرين يثير تساؤلات حول فرص الجمهوريين في الحفاظ على سيطرتهم على الكونجرس، ويشير إلى توقعات بـ”موجة زرقاء” لصالح الديمقراطيين.
تزايد الاستقالات وتأثيرها على انتخابات التجديد النصفي
يعزو الخبراء هذا الارتفاع في عدد الاستقالات إلى عدة عوامل، بما في ذلك انخفاض شعبية الرئيس ترمب، والصعوبات المتزايدة في تحقيق إنجازات تشريعية ملموسة، والإحباط العام من أداء الكونجرس. وقد أعلن 30 عضواً جمهورياً عن عدم الترشح لإعادة انتخابهم، من بينهم النائبة مارجوري تايلور جرين، التي استقالت بعد خلاف علني مع ترمب.
وفقاً للباحث في المركز السياسي التابع لجامعة فيرجينيا، جيه مايلز كولمان، فإن “حزب الرئيس يكاد يخسر دائماً مقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي”. ومع ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بويز، تشارلي هانت، أن هذه الانتخابات أصعب على الحزب الجمهوري بسبب انخفاض شعبية ترمب، مما قد يؤثر سلباً على فرصهم في صناديق الاقتراع.
أسباب الاستقالات المتزايدة
يشير هانت إلى أن أعضاء الكونجرس عندما يرون احتمال الهزيمة الانتخابية، أو على الأقل حملة إعادة انتخاب أكثر صعوبة، قد يقررون أن الأمر لا يستحق العناء، ويتقاعدون في وقت أبكر مما كانوا ينوون. وهذا ما يحدث مع الجمهوريين هذا العام، كما حدث في عام 2018، الذي شهد أيضاً رئيساً لا يحظى بشعبية كبيرة.
في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، تقاعد 27 عضواً جمهورياً مقابل 10 ديمقراطيين. وفي انتخابات 2022، تقاعد 23 عضواً ديمقراطياً مقابل 16 جمهورياً. ويؤكد كولمان أن الجمهوريين يشعرون بأن الأمور تتجه لصالح الخسارة في عام 2026، ويفضلون التقاعد بدلاً من خسارة مقاعدهم.
توقعات بـ”موجة زرقاء” وآمال جمهورية في تجنبها
يتوقع المحامي والمرشح الديمقراطي السابق لمجلس النواب، روبرت باتيلو، أن الجمهوريين قد يخسرون ما يصل إلى 20 أو 40 مقعداً في نوفمبر المقبل. ويشير إلى أن مايك جونسون نفسه قد يخسر منصبه كرئيس لمجلس النواب قبل الانتخابات النصفية، وأن وضع الحزب الجمهوري سيئ للغاية لدرجة أن استقالة عضوين أو ثلاثة آخرين، بالإضافة إلى استقالة مارجوري تايلور جرين، يمكن أن تؤدي إلى تغيير كامل في النظام السياسي الأميركي.
ويتوقع باتيلو حدوث “موجة زرقاء” قد تؤدي إلى انقلاب كامل في الكونجرس. ويضيف أن الأميركيين انتخبوا ترمب للخروج من الحروب وعمليات تغيير الأنظمة، لكنهم يشهدون الآن دخولهم في حروب جديدة، بالإضافة إلى قضايا أخرى مثل ملفات إبستين. بشكل عام، لا توجد أخبار إيجابية بالنسبة للجمهوريين.
على الرغم من ذلك، يرى المحلل الاستراتيجي الجمهوري سكوت أولنجر أن قاعدة “خسارة حزب الرئيس في التجديد النصفي” قد لا تنطبق هذه المرة، مشيراً إلى أن ترمب يتمتع بشعبية كبيرة بين الأميركيين، خاصة بعد الأحداث الأخيرة. ويبرر ترك الجمهوريين لمقاعدهم بأن الأميركيين غير راضين عن أعضاء الكونجرس بشكل عام.
الخلاصة والتوقعات المستقبلية
مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، من المتوقع أن تشهد الساحة السياسية المزيد من الاستقالات والتقاعدات، خاصةً من بين الجمهوريين. سيراقب المراقبون عن كثب تأثير هذه التغييرات على ميزان القوى في الكونجرس، وفرص كل من الحزبين في الفوز بأغلبية المقاعد. من المقرر إجراء الانتخابات في نوفمبر 2026، وستكون النتائج حاسمة في تحديد مسار السياسة الأميركية في السنوات القادمة. يبقى من غير الواضح ما إذا كان الجمهوريون سيتمكنون من تجنب “الموجة الزرقاء” المتوقعة، أو ما إذا كان الديمقراطيون سيستعيدون السيطرة على الكونجرس.










