في تطور يثير تساؤلات حول تصاعد استخدام العدالة كأداة سياسية في العلاقات الدولية، تصدر اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عناوين الأخبار بعد اعتقاله من قصره الرئاسي في كاراكاس في عملية عسكرية معقدة. وتأتي هذه الخطوة وسط ضغوط أمريكية متزايدة لتقديمه للمحاكمة بتهم تتعلق بالمخدرات ومكافحة الإرهاب، مما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول.
لا يمكن النظر إلى هذه القضية بمعزل عن تاريخ طويل من التدخلات الأمريكية في دول مختلفة، والتي انتهت في بعض الحالات باعتقال أو إسقاط قادة، أو فرض حصارات قانونية عليهم، بذريعة مكافحة الجريمة أو حماية الديمقراطية. وتثير هذه الأحداث مخاوف بشأن سيادة الدول واستقلالية قراراتها.
العدالة كأداة سياسية: قضية نيكولاس مادورو
القبض على مادورو يضع فنزويلا في قائمة الدول التي شهدت تدخلات مباشرة من الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية، سواء بالإطاحة بزعماء أو خلعهم أو محاصرتهم قانونياً. ويجمع هذا النمط من التدخلات بين الضغط العسكري والقانوني والدبلوماسي، مما يثير تساؤلات حول دوافع هذه التدخلات وأهدافها الحقيقية.
وصف نيك باتون والش، كبير مراسلي الأمن الدولي في شبكة CNN، هذا التطور بأنه “صادم تماماً”، مشيراً إلى أنه يذكر بالقبض على الرئيس العراقي صدام حسين قبل أكثر من 20 عاماً. وأضاف أن هذه الخطوة تمثل أقوى تدخل عسكري خارجي في فترة رئاسة دونالد ترمب، مما يدل على عزمه على رؤية مادورو يرحل.
ويحظى مادورو بدعم كبير من روسيا والصين، وهو ما يجعل عملية اعتقاله أكثر تعقيداً وأهمية. وتعتبر هذه العملية بمثابة رسالة واضحة حول حدود النفوذ الأمريكي واستعداده لاستخدام القوة لتحقيق أهدافه.
تاريخ التدخلات الأمريكية
من مانويل نورييجا في بنما عام 1989 إلى صدام حسين في العراق عام 2003، تتكرر أنماط التدخل الأمريكي، وغالباً ما تكون النتيجة هي فرض وقائع سياسية جديدة. وتثير هذه التدخلات تساؤلات حول الشرعية الدولية واحترام سيادة الدول.
أعلنت وزارة الخارجية والعدل الأمريكية في أغسطس الماضي عن رفع مكافأة الإدلاء بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو إلى 50 مليون دولار، بتهمة انتهاك قوانين المخدرات الأمريكية. كما صنفت وزارة الخزانة الأمريكية كارتل دي لوس سولس، الذي يُتهم مادورو بقيادته، كياناً إرهابياً عالمياً.
وفي سبتمبر الماضي، وقّع الرئيس ترمب توجيهاً سرياً يأمر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بتنفيذ عمليات عسكرية ضد عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، مع تركيز خاص على الضربات البحرية. وقد أثارت هذه الخطوة مخاوف بشأن تصعيد التوتر في المنطقة واحتمال وقوع خسائر في صفوف المدنيين.
قضايا سابقة: أمثلة من التاريخ
لا تقتصر هذه التدخلات على فنزويلا، بل تشمل دولاً أخرى مثل هايتي وهندوراس. ففي هايتي، أطيح بالرئيس جان برتران أريستيد في انقلاب عام 2004، بعد أن اتخذ مواقف تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. وفي هندوراس، ألقي القبض على الرئيس خوان أورلاندو هيرنانديز في عام 2022 بتهم الفساد والتورط في تجارة المخدرات، وحُكم عليه بالسجن في الولايات المتحدة، قبل أن يعفو عنه ترمب لاحقاً.
وفي حالة بنما، ألقي القبض على الجنرال مانويل نورييجا عام 1990 بتهم تتعلق بتجارة المخدرات وغسل الأموال، ونقل إلى الولايات المتحدة لمحاكمته. وتُظهر هذه الأمثلة أن الولايات المتحدة لا تتردد في استخدام الأدوات القانونية والعسكرية لتحقيق أهدافها السياسية.
ويرى خبراء قانونيون أن الولايات المتحدة قد لا تواجه أي مساءلة ذات مغزى عن أفعالها في فنزويلا، حتى لو كانت غير قانونية، نظراً لعدم وجود آليات إنفاذ في القانون الدولي. ويشيرون إلى أن إدارة ترمب خلطت بين المسائل القانونية من خلال الادعاء بأن العملية كانت مهمة إنفاذ قانون محددة، ومقدمة محتملة لسيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا في المدى الطويل.
الوضع الحالي يثير تساؤلات حول مستقبل فنزويلا والاستقرار الإقليمي. ومن المتوقع أن تشهد المنطقة تصعيداً في التوتر، مع احتمال تدخل قوى إقليمية أخرى في الصراع. وسيكون من الضروري مراقبة التطورات عن كثب، وتقييم الآثار المحتملة على المنطقة والعالم.
من المرجح أن تتجه الأنظار الآن نحو ردود الفعل الدولية على اعتقال مادورو، وما إذا كانت ستؤدي إلى فرض عقوبات إضافية على فنزويلا أو إلى تدخل عسكري أوسع نطاقاً. كما سيكون من المهم مراقبة مسار المحاكمة المحتملة لمادورو في الولايات المتحدة، وما إذا كانت ستكون عادلة وشفافة.










