أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن الصين تمثل قوة اقتصادية عالمية ثانية وتزخر بفرص هائلة، مشدداً على أهمية استغلال هذه الفرص في تعزيز التعاون المشترك. جاء ذلك في ختام زيارته الرسمية إلى بكين، وهي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ ثماني سنوات، والتي تهدف إلى إعادة إحياء الشراكة بين البلدين وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية. وتأتي هذه الزيارة في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية عالمية متسارعة.
خلال الزيارة التي استمرت أربعة أيام، اتفق الرئيس الصيني شي جين بينج وستارمر على تطوير شراكة استراتيجية شاملة وطويلة الأمد بين الصين والمملكة المتحدة. وأشار الرئيس الصيني إلى أن الخلافات التي شهدتها العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة لم تخدم مصالح البلدين، مؤكداً رغبته في تجاوز هذه العقبات وتعزيز التعاون البناء.
زيارة ستارمر إلى الصين: تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية
أسفرت الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء البريطاني عن نتائج ملموسة، حيث شهد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج ونظيره البريطاني توقيع 12 وثيقة تعاون حكومية مشتركة. وشملت هذه الوثائق مجالات متنوعة مثل التجارة، والاقتصاد، والزراعة، والأمن الغذائي، والثقافة، وتنظيم الأسواق، والتعاون الأمني. وتعكس هذه الاتفاقيات التزام البلدين بتوسيع نطاق التعاون الثنائي.
وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، جوه جياكون، فإن الزيارة تعكس عمق واتساع التعاون بين الصين وبريطانيا. وتأتي هذه الزيارة في وقت تسعى فيه بريطانيا إلى تنويع شراكاتها التجارية والاقتصادية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
الاستقرار وتحسين العلاقات الثنائية
يرى البروفيسور تسوي هونج جيان، مدير مركز دراسات الاتحاد الأوروبي والتنمية الإقليمية في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، أن زيارة ستارمر ليست مجرد بادرة رمزية، بل هي جزء من جهد دبلوماسي مستمر يهدف إلى تحقيق الاستقرار وتحسين العلاقات بين البلدين. وأضاف أن الوفد المرافق لرئيس الوزراء، والذي ضم شخصيات بارزة من حزب العمال، يعكس الأهمية التي توليها الحكومة البريطانية لهذه الزيارة.
اتفق الجانبان الصيني والبريطاني على إقامة شراكة رفيعة المستوى في مجال المناخ والطبيعة، واستئناف الحوار الأمني رفيع المستوى، وعقد جولة جديدة من الحوارات المؤسسية هذا العام. وتشمل هذه الحوارات الاستراتيجية، والاقتصادية والمالية، واجتماعات اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة. وتشير هذه الخطوات إلى رغبة البلدين في تعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.
خلال زيارته إلى شنغهاي، رفض ستارمر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي وصف فيها التجارة بين المملكة المتحدة والصين بأنها “خطيرة”. وأكد ستارمر أن تجاهل الصين يعتبر تصرفاً غير حكيم، مشيراً إلى زيارات مماثلة لقادة فرنسيين وألمان إلى بكين، وتوقعاً لزيارة ترمب نفسه للصين في أبريل القادم. وتأتي هذه التصريحات في سياق الخلافات التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين.
أثارت تصريحات ترمب انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والاقتصادية البريطانية. واعتبر وزير الدولة البريطاني السابق للأعمال والتجارة، فينس كيبل، أن “السلوك المتقلب” لإدارة ترمب يدفع العديد من الدول الغربية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الصين. كما أشار كريس تورنز، رئيس غرفة التجارة البريطانية في الصين، إلى أن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على الدول التي تتعاون مع الصين، لكنها في الوقت نفسه قد تسعى إلى إبرام اتفاقيات مع بكين.
مستقبل العلاقات الصينية البريطانية
رفض وزير التجارة البريطاني السير كريس براينت تصريحات ترمب، واصفاً إياها بأنها “خاطئة”، وأكد أن عدم الانخراط مع الصين سيكون “تصرفاً جنونياً”. من جانبه، أكد المتحدث باسم الخارجية الصينية، جوه جياكون، أن بكين مستعدة لتعزيز التعاون مع جميع الدول بروح المنفعة المتبادلة.
عززت موجة الزيارات الأخيرة لقادة غربيين إلى الصين، بما في ذلك ملك إسبانيا، والرئيس الفرنسي، ورئيس الوزراء الكندي، ورئيس الوزراء الفنلندي، القناعة بأن “تجاهل الصين” ليس خياراً قابلاً للاستمرار. كما ركزت زيارة ستارمر على تعزيز التبادل الثقافي، حيث رافقه عدد من العاملين في المتاحف البريطانية، وتدرس الصين منح إعفاء من التأشيرة للمواطنين البريطانيين.
تاريخياً، زار المدينة المحرمة عدد من أفراد العائلة المالكة البريطانية والسياسيين البارزين. ويرى وانج ييوي، مدير معهد الشؤون الدولية في جامعة رنمين الصينية، أن برنامج زيارة ستارمر يعكس استراتيجية “الثقافة أولاً ثم الأعمال”.
في ختام الزيارة، تجول ستارمر على ضفاف “البوند” في شنغهاي وزار حديقة يويوان. وأكد ستارمر أن هدف زيارته هو تكوين فهم شامل للصين واستكشاف فرص جديدة للتعاون. وقاد ستارمر وفداً يضم أكثر من 60 ممثلاً من قطاعي الأعمال والثقافة، وشهدت الزيارة توقيع أربع اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتجاري.
من المتوقع أن تستمر الصين والمملكة المتحدة في تعزيز علاقاتهما الثنائية في المستقبل القريب، مع التركيز على المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل التجارة والاستثمار والمناخ والثقافة. وستراقب الأوساط السياسية والاقتصادية عن كثب التطورات في العلاقات الصينية الأمريكية وتأثيرها على العلاقات الصينية البريطانية. كما سيتم متابعة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة خلال زيارة ستارمر وتقييم نتائجها على المدى الطويل.










