أصبح الاتجاه نحو التخلي عن الهواتف الذكية لصالح الهواتف “الغبية” أو التقليدية (dumbphones) ظاهرة متزايدة بين الشباب، مدفوعةً بالقلق بشأن الإدمان الرقمي، وخصوصية البيانات، والتأثير السلبي على الصحة العقلية. يختار البعض العودة إلى أجهزة أقل تعقيدًا كوسيلة لاستعادة السيطرة على وقتهم وتركيزهم، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا في حياتهم اليومية. هذا التحول يثير تساؤلات حول العلاقة المتغيرة بين الإنسان والتكنولوجيا، وتأثيرها على الإدراك والذاكرة.
تزايد شعبية الهواتف “الغبية” في السنوات الأخيرة، خاصةً بعد الجائحة، حيث أمضى الكثيرون وقتًا أطول في التواجد عبر الإنترنت. يشهد السوق ارتفاعًا في مبيعات هذه الأجهزة، مع ظهور شركات ناشئة متخصصة في تصميمها. هذا التوجه ليس مجرد رد فعل على الإرهاق الرقمي، بل هو أيضًا تعبير عن قيم مختلفة حول الاستهلاك والتبسيط.
الاعتماد على الهواتف الذكية وتأثيرها على الذاكرة
لطالما كان الإنسان يعتمد على الأدوات الخارجية لتوسيع قدراته المعرفية. ومع ذلك، فإن العلاقة مع الهواتف الذكية تبدو مختلفة، حيث أصبحت هذه الأجهزة جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لدرجة أنها تؤثر على طريقة تفكيرنا وتذكرنا للأشياء.
فرضية العقل الممتد
في عام 1998، قدم العالمان آندي كلارك وديفيد تشالمرز “فرضية العقل الممتد”، والتي تشير إلى أن الأدوات الخارجية يمكن أن تمتد، بطريقة شبه مادية، إلى الدماغ البيولوجي. على سبيل المثال، استخدام تطبيق الملاحظات لحفظ قائمة التسوق أو استخدام خرائط جوجل للوصول إلى مكان ما لا يعتبر مجرد استخدام للهاتف، بل هو جزء من نظام إدراكي واحد يضم كلاً من الهاتف والدماغ.
هذا الاندماج بين العقل والأداة يثير تساؤلات حول حدود الذات، وما إذا كانت الذاكرة والقدرات المعرفية تتأثر بالاعتماد المفرط على التكنولوجيا. فقدان الهاتف أو عدم القدرة على الوصول إليه يمكن أن يسبب شعورًا بالذعر والقلق، كما لو أن جزءًا من الجسم قد فُقد.
الذاكرة المتعاملة (Transactive Memory)
تشير نظرية الذاكرة المتعاملة، التي طورها عالم النفس دانيال ويجنر في عام 1985، إلى أن الأفراد في العلاقات الوثيقة يخزنون المعلومات في بعضهم البعض، وأن هذا التخزين الجماعي يعمل كبطاقة ذاكرة مشتركة.
بطريقة مماثلة، قد يعتمد الأفراد على هواتفهم الذكية لتخزين المعلومات التي كان من الممكن أن يتذكروها بأنفسهم. على سبيل المثال، قد لا يتذكر شخص ما رقم هاتف صديقه، لأنه مخزن في هاتفه. هذا الاعتماد يمكن أن يؤدي إلى تراجع القدرة على تذكر المعلومات بشكل مستقل، مما يجعل الهاتف الذكي بمثابة “ذاكرة خارجية” ضرورية.
تظهر هذه الظاهرة بوضوح عندما نفقد بياناتنا المخزنة على الهاتف. فقدان الصور والذكريات المرتبطة بها يمكن أن يؤدي إلى فقدان الشعور بتلك اللحظات، حتى لو كنا نتذكرها بشكل منطقي. هذا يشير إلى أن الهاتف الذكي لا يخزن المعلومات فحسب، بل يخزن أيضًا المشاعر والتجارب المرتبطة بها.
أسباب العودة إلى الهواتف “الغبية”
هناك عدة أسباب تدفع الأفراد إلى التخلي عن هواتفهم الذكية والعودة إلى الأجهزة التقليدية. أحد الأسباب الرئيسية هو الرغبة في تقليل الإلهاء وزيادة التركيز. الهواتف الذكية مليئة بالإشعارات والتطبيقات التي تتنافس على انتباهنا، مما يجعل من الصعب التركيز على المهام المهمة.
بالإضافة إلى ذلك، يثير الكثيرون مخاوف بشأن خصوصية البيانات. تجمع الهواتف الذكية كميات هائلة من المعلومات حول سلوكنا وعاداتنا، والتي يمكن استخدامها لأغراض تجارية أو حتى للمراقبة. العودة إلى الهواتف “الغبية” يمكن أن تكون وسيلة لحماية خصوصيتنا وتقليل كمية البيانات التي يتم جمعها عنا.
كما أن هناك بعدًا صحيًا لهذا الاتجاه. قضاء الكثير من الوقت في استخدام الهواتف الذكية يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في النوم، وإجهاد العين، وآلام الرقبة والظهر. الحد من استخدام هذه الأجهزة يمكن أن يحسن الصحة البدنية والعقلية.
مستقبل الهواتف الذكية والبدائل
من المرجح أن يستمر الاتجاه نحو الهواتف “الغبية” في النمو، خاصةً بين أولئك الذين يبحثون عن بديل أكثر بساطة وأقل إدمانًا للهواتف الذكية. ومع ذلك، من غير المرجح أن تحل هذه الأجهزة محل الهواتف الذكية بشكل كامل، نظرًا للفوائد العديدة التي تقدمها.
قد نشهد في المستقبل تطورًا في تصميم الهواتف الذكية، بحيث تصبح أكثر تركيزًا على المهام الأساسية وأقل تشتيتًا. كما قد نشهد ظهور تطبيقات وأدوات جديدة تساعدنا على إدارة استخدامنا للهواتف الذكية بشكل أفضل.
في الوقت الحالي، يراقب خبراء التكنولوجيا والباحثون هذا الاتجاه عن كثب، ويحاولون فهم تأثيره على المجتمع. من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات حول العلاقة بين الهواتف الذكية والإدراك والذاكرة في السنوات القادمة.










