أثارت عمليات نشر قوات فيدرالية في مدن أمريكية جدلاً واسعاً، خاصةً مع تزايد المخاوف بشأن استخدام هذه القوات في قمع الاحتجاجات الداخلية. وتتعلق هذه القضية بشكل خاص بنشر قوات الأمن الفيدرالية، بما في ذلك ضباط الهجرة وحرس الحدود، في مينيابوليس ومدن أخرى، مما أثار تساؤلات حول مدى قانونية هذه الإجراءات وتأثيرها على الحريات المدنية. وتعتبر هذه العمليات بمثابة نشر القوات الفيدرالية غير مسبوق في نطاقها وتوقيتها.
بدأت هذه التوترات في التصاعد مع انتشار الاحتجاجات في أعقاب وفاة جورج فلويد، حيث أرسل الرئيس السابق دونالد ترامب قوات فيدرالية إلى المدن التي شهدت مظاهرات، بذريعة استعادة “القانون والنظام”. وقد أثارت هذه الخطوة انتقادات واسعة النطاق من قبل الديمقراطيين وحقوقيين، الذين اتهموا ترامب باستغلال القوات الفيدرالية لقمع المعارضة السياسية.
تاريخ استخدام القوات الفيدرالية في الداخل: سوابق وقلق متزايد
لم يكن استخدام القوات الفيدرالية للتعامل مع الاضطرابات المدنية أمرًا جديدًا في تاريخ الولايات المتحدة. ففي عام 1962، استخدم الرئيس جون كينيدي الحرس الوطني لولاية ميسيسيبي ثم آلاف الجنود الفيدراليين للسيطرة على أعمال العنف المتعلقة بالتسجيل الانتخابي للأمريكيين الأفارقة. وتشير التقارير إلى أن هذه العملية العسكرية، التي أُطلق عليها اسم “RAPID ROAD”، كانت المرة الوحيدة خلال الحرب الباردة التي تم فيها تفعيل خطط عسكرية للتعامل مع الاضطرابات المدنية، والتي طورت في الأصل في حالة وقوع هجوم نووي.
لاحقًا، في عام 1963، اعتمد كينيدي مرة أخرى على الحرس الوطني للمساعدة في دمج جامعة ألاباما. واستمر هذا النمط في عهد الرئيس ليندون جونسون، الذي استخدم المارشالات الفيدراليين والحرس الوطني لحماية المتظاهرين الحقوقيين في سيلما بعد تعرضهم لهجوم وحشي من قبل شرطة ولاية ألاباما في حادثة “الأحد الدامي”.
تصاعد المخاطر في الستينيات
شهدت الستينيات زيادة في استخدام القوات العسكرية، بما في ذلك الحرس الوطني، في المدن الأمريكية. خلال أعمال الشغب التي اندلعت في ديترويت عام 1967 عقب حوادث عنف من قبل الشرطة، أمر الرئيس جونسون بإرسال عناصر من الفرقتين 82 و 101 المحمولة جواً إلى المدينة، بينما استدعى حاكم ولاية ميشيغان جورج رومني الحرس الوطني في ميشيغان.
أسفرت هذه الأحداث عن مقتل أكثر من 40 شخصًا، أكثر من نصفهم على يد شرطة ديترويت. وقد أودى جنود الحرس الوطني بحياة 11 شخصًا، من بينهم الطفلة تانيا بلاندينج البالغة من العمر أربع سنوات، التي قُتلت عندما أطلق جندي من الحرس الوطني في ميشيغان النار من مدفع رشاش عيار 0.50 مثبت على دبابة على شقتها بعد اعتقاده خطأً بوجود قناص بالداخل.
على الرغم من استخدام القوات في أعقاب اغتيال مارتن لوثر كينغ جونيور عام 1968، إلا أن المخاطر السلبية لهذه العمليات ظهرت بوضوح في عام 1970 في جامعة ولاية كينت، عندما أطلق جنود الحرس الوطني النار على الطلاب المتظاهرين ضد حرب فيتنام، مما أسفر عن مقتل أربعة وإصابة تسعة.
التحول في طبيعة القوات المستخدمة
منذ ذلك الحين، كان الاستخدام المحلي للقوات الفيدرالية محدودًا للغاية، باستثناء حالات مثل أعمال الشغب في لوس أنجلوس عام 1992. وعادةً ما كان الرؤساء والمدعون العامون يتخذون خطوات استباقية لتنسيق زيادة في قوات إنفاذ القانون الفيدرالية في المدن أو الولايات.
نشر القوات الفيدرالية في عهد ترامب يختلف بشكل كبير عن الممارسات السابقة. فبدلاً من استخدام المارشالات الفيدراليين من وزارة العدل، كما كان معتادًا، اختار ترامب نشر ضباط الهجرة وحرس الحدود من وزارة الأمن الداخلي. ويعتبر هذا التحول مثيراً للقلق، حيث أن المارشالات الفيدراليين يتلقون تدريبًا متخصصًا في مجال الحقوق الدستورية وحماية الحقوق المدنية، بينما يركز ضباط الهجرة وحرس الحدود بشكل أساسي على إنفاذ قوانين الهجرة، ولديهم سلطات محدودة في التعامل مع القضايا الفيدرالية العامة.
بالإضافة إلى ذلك، يفتقر ضباط الهجرة وحرس الحدود إلى التدريب اللازم للتعامل مع الجمهور وفقًا لمعايير إنفاذ القانون الفيدرالية. ويعتبر حرس الحدود، على وجه الخصوص، قوة شبه عسكرية مصممة للعمل في المناطق الحدودية، وليس للتفاعل المنتظم مع المواطنين الأمريكيين.
وقد حاول ترامب استخدام القوات في عمليات مماثلة في الماضي، لكن المحاكم الفيدرالية أعاقت هذه المحاولات، بما في ذلك منع فدرلة الحرس الوطني في كاليفورنيا.
الوضع الحالي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الإدارة الحالية تتجاوز الحدود الدستورية في استخدام القوات الفيدرالية.
من المتوقع أن تستمر المناقشات القانونية والسياسية حول مدى قانونية نشر القوات الفيدرالية في المدن الأمريكية. وستراقب المحاكم والمنظمات الحقوقية عن كثب الإجراءات التي تتخذها الإدارة، مع التركيز بشكل خاص على حماية الحقوق المدنية والحريات الدستورية. كما ستكون الانتخابات النصفية القادمة بمثابة اختبار سياسي مهم، حيث يمكن أن يؤدي تغيير في السلطة إلى تغيير في السياسات المتعلقة باستخدام القوات الفيدرالية.










