يواجه المسيحيون في السودان يوميًا تحديات الجوع والبؤس والإرهاب. وقد صنف تقرير “قائمة المراقبة العالمية” الصادر عن منظمة “Open Doors” لعام 2026، والذي يرتب أسوأ الدول في العالم من حيث اضطهاد المسيحيين، السودان في المرتبة الرابعة، صعودًا من المرتبة الخامسة في العام الماضي. ويُقدر عدد المسيحيين في السودان، الذي يعاني من صراعات، بحوالي 2 مليون شخص.
تدهور الأوضاع بالنسبة للمسيحيين في السودان
يستمر الحرب الأهلية في السودان منذ أكثر من 1000 يوم، وقد أدت إلى مقتل ما يقرب من 150 ألف شخص وتشريد أكثر من 13 مليون آخرين. يعود وجود المسيحيين في السودان إلى أواخر القرن الأول الميلادي. يعيش العديد من المسيحيين السودانيين في جبال النوبة، وهي جزء من منطقة كردفان.
أفاد رفات سمير، الأمين العام لتحالف الكنائس الإنجيلية في السودان، أن جبال النوبة تخضع حاليًا للحصار وتقصف يوميًا منذ ستة إلى سبعة أشهر. وأضاف أن كنيستهم ومستشفى ومدرسة تعرضت للقصف الأسبوع الماضي بعد عيد الميلاد مباشرة.
هجمات متزايدة وتصعيد للعنف
بالإضافة إلى ذلك، ذكر تقرير صادر عن MEMRI، استنادًا إلى Christian Daily International، مقتل 11 مسيحيًا سودانيًا أثناء مشاركتهم في موكب ديني إلى كنيستهم في يوم عيد الميلاد. وقد نفذ الهجوم طائرة بدون طيار تابعة للقوات المسلحة السودانية الحكومية، وأسفر عن إصابة 18 آخرين. وأشار التقرير إلى أن القوات المسلحة السودانية مدعومة من جماعة الإخوان المسلمين.
أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن السودان شهد تراجعًا كبيرًا في احترام الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الدين، منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023. وأضاف المتحدث أن هذا التراجع يؤثر بشكل خاص على الفئات العرقية والدينية المضطهدة في السودان، بما في ذلك المسيحيون.
في تقرير سابق لوزارة الخارجية الأمريكية العام الماضي، ذكر أن المسيحيين كانوا يأكلون العشب للبقاء على قيد الحياة. يقول سمير إن الوضع أصبح أكثر سوءًا في عام 2026: “حتى العشب لم يعد موجودًا”.
وتوضح ماريام وهبة، محللة الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، أن الصراع يؤدي إلى محو المجتمعات المسيحية القديمة والتراث الديني. وأشارت إلى أن هذه الخسائر ستكون أكثر صعوبة في إصلاحها من إعادة بناء الطرق أو الوزارات بمجرد توقف القتال.
الخلفية الأيديولوجية للصراع
أوضح سمير أن الصراع في السودان له جذور أيديولوجية عميقة. وأشار إلى أن كلا الجانبين في الحرب الأهلية ينتميان إلى الحركة الإسلامية في السودان، وأن أيديولوجيتهما الإسلامية لا تتسامح مع الآخرين. ويرون أن أي شخص يختلف معهم هو عدو لهم، وأن معارضة المسيحيين واجب ديني. ونتيجة لذلك، فإن أي عمل يضر بالمسيحيين يعتبر مقبولًا من الناحية الدينية.
ويقول سمير إن البلاد تتجه نحو “العصور المظلمة”. وقد فشلت الجهود المتكررة للتوصل إلى وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية والقوات المسلحة السريعة (RSF). ويقر كلا الجانبين بأنهما لا يزالان يقاتلان ويقتلان المدنيين، وخاصة في منطقة كردفان الوسطى، التي تضم عددًا كبيرًا من المسيحيين.
أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية التزام الولايات المتحدة بإنهاء الصراع المروع في السودان. وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل، تحت قيادة الرئيس ترامب، مع حلفائها وغيرهم لتسهيل هدنة إنسانية وإنهاء الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتناحرة، مما يؤجج العنف. وأضاف المتحدث أن الرئيس ترامب يريد السلام في السودان.
وأشار المتحدث إلى أن معاناة المدنيين وصلت إلى مستويات كارثية، حيث يفتقر الملايين إلى الغذاء والماء والرعاية الطبية. وأضاف أن كل يوم من استمرار القتال يكلف المزيد من الأرواح البريئة. وأكد أن الحرب في السودان تشكل تهديدًا مستمرًا للاستقرار الإقليمي.
ذكرت الأمم المتحدة أن القتال يتصاعد في كردفان، حيث أعرب المبعوث الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك عن قلقه من أن الفظائع التي ارتكبت خلال وبعد الاستيلاء على الفاشر قد تتكرر في منطقة كردفان. وأشار إلى أن منطقة كردفان تشهد تصعيدًا سريعًا في الصراع منذ أواخر أكتوبر.
وأضاف تورك أن ولايات كردفان شديدة التقلب، وأن الاشتباكات العسكرية المستمرة والقصف المدفعي والغارات الجوية تسببت في دمار واسع النطاق وانهيار الخدمات الأساسية.
ترى وهبة أن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تتدخل بشكل مباشر في الحرب الأهلية السودانية، على الرغم من نشاطها الحركي في المسارح المجاورة. وأضافت أن الرئيس ترامب أشار بوضوح إلى رغبته في رؤية حل للصراع، وهو هدف يتقاسمه كل من مصر والسعودية، لكن ترجمة هذا التوافق إلى نتائج ملموسة على الأرض أثبتت أنها أكثر صعوبة مما يوحي الخطاب.
واختتمت وهبة بالقول إن السياسة الأمريكية تركز حاليًا على جمع أصحاب المصلحة الإقليميين والضغط من أجل تنسيق الجهود، مع إعطاء الأولوية للممرات الإنسانية وتقديم المساعدة والتنسيق مع الشركاء المستعدين لاستضافة المحادثات. وأوضحت أن واشنطن تعمل كميسر وليست منفذة.
على الرغم من كل هذه التحديات، لا يزال سمير من تحالف الكنائس الإنجيلية في السودان يحمل الأمل. ويقول إن الروح القدس يعمل وأن يد الله تعمل في البلاد. وأضاف أن النور المحبة لله يضيء في قلوب الكثيرين وسط هذا الشر والظلام. ويصلي من أجل أن يتمكن المسيحيون من البقاء على قيد الحياة ليوم واحد إضافي، ليوم واحد إضافي لنشر رسالة يسوع.
من المتوقع أن تستمر الأمم المتحدة في مراقبة الوضع في كردفان عن كثب، مع التركيز على حماية المدنيين ومنع المزيد من الفظائع. وستواصل الولايات المتحدة جهودها الدبلوماسية لتشجيع الأطراف المتناحرة على العودة إلى طاولة المفاوضات. ومع ذلك، يبقى مستقبل السودان غير مؤكد، ويتوقف على قدرة الأطراف المتناحرة على التوصل إلى حل سياسي شامل.










