تواجه الدول الأوروبية ضغوطًا متزايدة لاتخاذ موقف حاسم في مواجهة التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة. تأتي هذه التهديدات في وقت يعقد فيه القادة الأوروبيون قمة طارئة في بروكسل يوم الخميس 22 يناير لمناقشة الرد المناسب على هذه التصعيدات، بما في ذلك احتمال استخدام أدوات مثل “أداة مكافحة الإكراه” للرد على أي إجراءات أمريكية. الوضع يتطلب رد فعل أوروبي موحد وفعال، وهو ما أكدت عليه رئيسة البنك الاستثماري الأوروبي، ناديا كالفينيو، في تصريحات لها من دافوس، مشيرة إلى ضرورة إظهار “القوة العظمى” التي تمتلكها أوروبا.
عقدت القمة الطارئة بناءً على دعوة من رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، بعد أن هدد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 10% على بعض الدول الأوروبية ما لم تسمح له بالسيطرة على جرينلاند. هذا التهديد غير المسبوق أثار قلقًا واسعًا في أوروبا، ودفع بعض القادة، خاصة من فرنسا وألمانيا، إلى الدعوة إلى الاستعداد لاتخاذ تدابير انتقامية في حال تنفيذ هذه التهديدات. التركيز الآن ينصب على كيفية توحيد الصف الأوروبي وتقديم رد متناسب مع حجم التحدي.
الاستعداد لمواجهة التهديدات: الرد الأوروبي على الرسوم الجمركية المحتملة
تعتبر القمة الأوروبية يوم الخميس فرصة تاريخية للقادة الأوروبيين لإعادة تقييم علاقاتهم مع الولايات المتحدة وتحديد استراتيجية واضحة للتعامل مع سياسات ترامب. أكدت ناديا كالفينيو على أن أوروبا “مستعدة لأي شيء”، لكن الأهم هو ما ستقوم به الدول الأوروبية بشكل جماعي. هذا يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الدول الأعضاء وتحديد أولويات مشتركة.
أحد الخيارات المطروحة على الطاولة هو تفعيل “أداة مكافحة الإكراه”، وهي آلية اعتمدت في عام 2023 تهدف إلى معاقبة الدول التي تمارس الإكراه الاقتصادي على الاتحاد الأوروبي. تتيح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي تقييد وصول الدول “غير الودية” إلى مناقصات المشتريات العامة، والحد من تراخيص التجارة، وحتى إغلاق الوصول إلى السوق الموحدة. لم يتم استخدام هذه الأداة حتى الآن، لكن تصريحات ترامب الأخيرة زادت من الضغط لتفعيلها.
أدوات الاتحاد الأوروبي المحتملة للرد
بالإضافة إلى “أداة مكافحة الإكراه”، يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات أخرى يمكن استخدامها للرد على الرسوم الجمركية الأمريكية. تشمل هذه الأدوات إمكانية تقديم شكاوى إلى منظمة التجارة العالمية، وفرض رسوم جمركية مضادة على السلع الأمريكية، والعمل على تنويع الشركاء التجاريين. ومع ذلك، فإن استخدام هذه الأدوات قد يكون له عواقب وخيمة على كلا الجانبين، مما يجعل الحوار والتفاوض خيارًا مفضلًا.
يرى بعض المحللين أن تهديدات ترامب بخصوص جرينلاند هي محاولة للتشتيت عن المشاكل الداخلية التي تواجه إدارته، بينما يعتبرها آخرون مؤشرًا على رغبته في إعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة الحالية. بغض النظر عن الدوافع الحقيقية وراء هذه التهديدات، فإنها تمثل تحديًا كبيرًا للاتحاد الأوروبي وتتطلب ردًا حاسمًا.
الوضع الاقتصادي العالمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى هذه القضية. مع تباطؤ النمو الاقتصادي في العديد من البلدان، فإن فرض رسوم جمركية جديدة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتهديد الاستقرار المالي. لذلك، من الضروري أن يكون الرد الأوروبي مدروسًا ومناسبًا، مع الأخذ في الاعتبار جميع العوامل ذات الصلة.
تعتبر العلاقة التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة من أهم العلاقات التجارية في العالم. وفقًا لبيانات حديثة، يتبادل الطرفان سلعًا وخدمات بقيمة تريليونات الدولارات سنويًا. أي تعطيل لهذه العلاقة يمكن أن يكون له آثار سلبية كبيرة على الاقتصادات في كلا الجانبين. لذلك، من المهم الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة والعمل على إيجاد حلول دبلوماسية.
الاستعداد للتعامل مع هذه التهديدات يتطلب أيضًا تعزيز التعاون الأوروبي في مجالات أخرى، مثل الدفاع والأمن. إن وجود أوروبا موحدة وقوية يمكن أن يساعد في حماية مصالحها والدفاع عن قيمها في عالم يتسم بالصراعات والتحديات المتزايدة. الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار هو أيضًا أمر بالغ الأهمية لضمان القدرة التنافسية لأوروبا في المستقبل.
في المقابل، يراقب خبراء الاقتصاد عن كثب رد فعل الاتحاد الأوروبي، مع الأخذ في الاعتبار أن أي تصعيد في التوترات التجارية يمكن أن يؤثر سلبًا على النمو العالمي. كما أن هناك مخاوف بشأن تأثير هذه التهديدات على الاستثمارات عبر الأطلسي وعلى ثقة الشركات. الشفافية والتواصل الواضح بين الجانبين هما مفتاح تجنب سوء الفهم وتخفيف حدة التوتر.
من المتوقع أن تركز القمة الأوروبية أيضًا على قضايا أخرى ذات أهمية، مثل تغير المناخ والهجرة والأمن. ومع ذلك، فإن قضية الرسوم الجمركية الأمريكية من المؤكد أنها ستكون على رأس جدول الأعمال. النتائج التي ستخرج بها القمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.
بعد القمة، من المتوقع أن يصدر المجلس الأوروبي بيانًا رسميًا يلخص المناقشات والقرارات التي تم اتخاذها. سيكون هذا البيان بمثابة إشارة إلى المجتمع الدولي حول الموقف الأوروبي من التهديدات الأمريكية. من المهم أيضًا مراقبة رد فعل إدارة ترامب على هذا البيان، وما إذا كانت ستتراجع عن تهديداتها أم ستصر على موقفها. المستقبل يحمل في طياته الكثير من الغموض، لكن من الواضح أن أوروبا تقف على مفترق طرق.










