أُخلي سبيل أربعة وعشرين عاملًا إنسانيًا كانوا يحاكمون في اليونان بتهمة تهريب المهاجرين بعد مشاركتهم في عمليات البحث والإنقاذ قبالة جزيرة ليسبوس. جاء قرار محكمة الاستئناف اليونانية يوم الخميس بعد سبع سنوات من الإجراءات القانونية المعلقة، حيث برأت المحكمة المتهمين من تهم تشمل العضوية في منظمة إجرامية وتسهيل دخول مواطني دول غير تابعة للاتحاد الأوروبي إلى اليونان وغسل الأموال، وذلك خلال الفترة من عام 2016 إلى عام 2021. هذه القضية المتعلقة بـ المساعدة الإنسانية للمهاجرين أثارت جدلاً واسعًا حول سياسات الهجرة في أوروبا.
أكد القاضي المسؤول، فاسيليس باباثاناسيو، أن المحكمة برأت المتهمين لأن نيتهم لم تكن ارتكاب جرائم بل تقديم المساعدة الإنسانية، وفقًا لتقارير إعلامية يونانية. قبل صدور الحكم، أوصى المدعي العام بإبراء المتهمين، مشيرًا إلى عدم وجود أدلة كافية لإثبات وجود هيكل هرمي يشكل منظمة إجرامية.
تأثير القضية على العاملين في مجال الإغاثة و سياسات الهجرة
ركزت النيابة العامة في البداية على استخدام المتهمين لتطبيق واتساب – خدمة المراسلة المشفرة التابعة لشركة ميتا – للتواصل بشأن وصول قوارب المهاجرين، وهو ما قدم كدليل على مؤامرة إجرامية. لكن القاضي رفض هذا الادعاء، معتبراً أن “مجموعة اتصال على الإنترنت لا يمكن اعتبارها منظمة إجرامية”.
كانت جزيرة ليسبوس نقطة دخول رئيسية للأفراد والقوارب الصغيرة التي تسعى للوصول إلى أوروبا في عام 2015، وهو العام الذي شهد ذروة أزمة الهجرة في القارة. بينما وصفت السلطات اليونانية القضية المطولة بأنها تتعلق بأمن الحدود الوطنية، وصفتها مجموعات حقوق الإنسان بأنها “لا أساس لها من الصحة” منذ البداية وأبدت دعمها للمتهمين.
وصف ويس دي جراف، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في بلجيكا، رد الفعل في قاعة المحكمة بأنه “تصفيق حاد”، مشيرًا إلى أن المتهمين كانوا يحتضنون بعضهم البعض. كما وصف النتيجة بأنها “مريرة وحلوة”، مشيرًا إلى “الشهادات المؤلمة” التي شاركها المتهمون على المنصة، والتي أظهرت “الآثار النفسية والمالية والعاطفية للقضية على حياتهم”.
شهادات المتهمين وتأثير الاعتقالات
من بين المبرئين شون بيندر، وهو مواطن ألماني أيرلندي سافر إلى ليسبوس في عام 2017. عمل بيندر كمتطوع في عمليات البحث والإنقاذ مع مركز الإنقاذ الطارئ الدولي (ERCI)، وهي منظمة غير حكومية يونانية إنسانية مسجلة.
صرح بيندر: “إنه ارتياح كبير ألا أقضي السنوات العشرين القادمة في زنزانة سجن، ولكن في الوقت نفسه، من المقلق أن يكون هذا ممكنًا على الإطلاق”. وأضاف: “اليوم، أصبح من الواضح، كما يجب أن يكون دائمًا، أن تقديم المساعدة الإنسانية المنقذة للحياة هو واجب، وليس جريمة”.
في مقابلة مع يورونيوز في ديسمبر، أوضح بيندر أنه قضى “معظم وقته في ‘مناوبات الرصد’، حيث كان ينظر إلى البر الرئيسي التركي على بعد بضعة أميال بحرية، حيث يدفع المهربون الناس إلى القوارب ويرسلونهم بحثًا عن لجوء في أوروبا”. وأضاف: “القوارب لا تريد أن يتم القبض عليها، لذلك لا توجد أضواء ساطعة. بدلاً من ذلك، كنا نبحث عن مكالمات استغاثة وصراخ. كنت أتواصل مع خفر السواحل أسبوعيًا وأبلغ سلطة الميناء عندما نخرج إلى البحر”.
توقفت أعمال بيندر عندما تم اعتقاله مع سارة مارديني، التي تم تحويل قصتها عن السباحة عبر جزء من البحر الأبيض المتوسط إلى فيلم على نتفليكس في عام 2018. في عام 2023، تمت تبرئة الزوجين ومجموعة من المتهمين من التهم الجنائية المتعلقة بتزوير مزعوم والاستماع غير القانوني إلى ترددات الراديو والتجسس. في العام التالي، تم إسقاط التهم الجنائية المتبقية ضد 16 متهمًا آخر.
انتقادات لسياسات الهجرة الأوروبية
تقول المجموعات الإنسانية إن هذه المحاكمة قد ردعت عمل المنظمات الإنسانية والإنقاذية في جزر بحر إيجه، حيث انخفض نطاق هذه العمليات بشكل كبير. كما يجادلون بأنها تجسد التوجه الأوسع نطاقًا في أوروبا نحو التصدي للأفراد والمنظمات التي تساعد المهاجرين وطالبي اللجوء: تشير منظمة PICUM التي تتخذ من بروكسل مقراً لها إلى أنه واجه 124 آخرون إجراءات قضائية مماثلة في أوروبا في عام 2024 وحده.
ردًا على الحكم، حثت إيف جيدي، مديرة مكتب مؤسسات الاتحاد الأوروبي الدولية لمنظمة العفو الدولية، الاتحاد الأوروبي على “إدخال ضمانات أقوى ضد تجريم المساعدة الإنسانية بموجب قانون الاتحاد الأوروبي”. في السنوات الأخيرة، تحولت سياسة الهجرة الأوروبية حيث تبنى قادة الكتلة المكونة من 27 دولة آراء أكثر صرامة واستكشفوا طرقًا جديدة للحد من الوافدين.
شهدت اليونان وجزرها مؤخرًا زيادة جديدة في وصول قوارب المهاجرين، حيث وصل أكثر من 1000 مهاجر إلى جزيرة كريت وجزيرة غافدوس المجاورة، معظمهم من شمال إفريقيا، وفقًا للسلطات اليونانية. يقول المسؤولون اليونانيون إن المهربين الذين يعملون من ليبيا يفضلون بشكل متزايد كريت وغافدوس كوجهات بسبب الظروف الجوية المحسنة والقرب من الساحل الأفريقي الشمالي. سجلت اليونان 39495 عبورًا غير قانوني للحدود بحلول نهاية أكتوبر 2025، بانخفاض قدره 18٪ عن 48415 وصولًا في نفس الفترة من عام 2024، وفقًا للأرقام الرسمية.
من المتوقع أن تواصل السلطات اليونانية جهودها لتعزيز الرقابة على الحدود، بينما ستراقب المنظمات الإنسانية عن كثب تأثير هذا الحكم على عملها المستقبلي. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا القرار سيؤدي إلى تغييرات أوسع في سياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي، وما إذا كان سيشجع المزيد من الدول على حماية العاملين في المجال الإنساني الذين يقدمون المساعدة للمهاجرين.










