تتصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على بعض الدول الأوروبية. يأتي هذا التصعيد على خلفية خلاف حول جرينلاند، حيث يرى ترامب أن امتلاكها أمر “ضروري” للأمن القومي الأمريكي. وتتجه الحكومات الأوروبية نحو تبني استراتيجية مزدوجة تتمثل في إعطاء الأولوية للحوار والدبلوماسية، مع الاستعداد في الوقت نفسه لأسوأ الاحتمالات.
أكد الرئيس ترامب أنه تحدث هاتفيًا مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، واتفقا على “اجتماع للأطراف المعنية” في دافوس. وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه قادة الاتحاد الأوروبي لعقد قمة طارئة لمجلس أوروبا في بروكسل يوم الخميس، بينما يجتمع المفوضون الأوروبيون بتنسيق خاص يعرف بـ “الكلية الأمنية” يوم الجمعة، وفقًا لمصادر مطلعة.
الوضع في جرينلاند: جهود دبلوماسية أوروبية متوازية
تتركز الجهود الدبلوماسية الأوروبية حاليًا على محاولة إقناع الرئيس ترامب بالتراجع عن تهديداته بفرض الرسوم الجمركية، بالتزامن مع الاستعداد لاتخاذ إجراءات انتقامية بحلول الأول من فبراير، وهو الموعد الذي حدده ترامب لتطبيق الرسوم. وعلى الرغم من مناقشة إمكانية استخدام “بازوكا” التجارة الأوروبية – وهي أداة قوية يمكن أن تستبعد الشركات الأمريكية من السوق الأوروبية الموحدة – إلا أن المسؤولين الأوروبيين يبدون عزوفًا كبيرًا عن تفعيلها في الوقت الحالي.
بدلًا من ذلك، يفضل الاتحاد الأوروبي السماح بانتهاء تجميد الرسوم الجمركية الانتقامية بقيمة 93 مليار يورو على البضائع الأمريكية في أوائل فبراير، في خطوة وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها “انتقام سلبي”. وتشير بعض التقديرات إلى أن نشر قوات أوروبية صغيرة في جرينلاند قد يكون أسيء فهمه من قبل الإدارة الأمريكية على أنه تحدٍ أو “استعراض للقوة”.
وتعرب مصادر رفيعة المستوى في حلف الناتو عن “تفاؤل حذر” بأن الرئيس ترامب يمكن أن يقتنع بأن الأزمة الحالية نابعة من “سوء فهم” حول حجم وطبيعة هذا الانتشار العسكري. ويعزز هذا التفاؤل حقيقة أن القوات الأوروبية بدأت بالفعل في الانسحاب من جرينلاند، وهو ما قد يوفر فرصة للولايات المتحدة للتراجع عن تهديداتها.
الاجتماعات والتشاورات الجارية
عقد وزراء الدفاع النورديك اجتماعًا في مقر حلف الناتو في بروكسل يوم الاثنين لمناقشة التهديدات الأمريكية الأخيرة، وأكدوا على تضامنهم مع الدنمارك وجرينلاند، ودفاعهم عن مبدأ وحدة الأراضي. وأكد وزير الدفاع السويدي، بال يونسون، على أن أوروبا “تقف إلى جانب الدنمارك وجرينلاند، وتدافع عن سيادتهما وسلامة أراضيهما”.
كما أجرى وزير الدفاع الدنماركي، ترويلس لوند بولسن، ووزيرة الخارجية الجرينلاندية، فيفيان موتزفيلدت، محادثات مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته.
أزمة جرينلاند وتداعياتها على دعم أوكرانيا
يثير هذا الخلاف تساؤلات حول مدى موثوقية الولايات المتحدة كضامن للأمن في المستقبل، خاصة فيما يتعلق بدعم أوكرانيا. فقد اعتاد القادة الأوروبيون على العمل مع الولايات المتحدة في الدفاع عن سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا، من خلال إصدار بيانات قوية، وإجراء مكالمات هاتفية، وعقد اجتماعات أزمة. لكنهم يجدون أنفسهم الآن مضطرين إلى القيام بنفس الشيء للدفاع عن سيادة الدنمارك ووحدة أراضيها ضد دولة يفترض أنها حليف موثوق به.
ويرى بعض المسؤولين الأوروبيين أن هذا التوازي يثير قلقًا بالغًا، ويتساءلون عما إذا كان بإمكانهم الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة لتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا بعد الحرب. وحتى لو استمروا في ذلك، فإن نقص الثقة والمصداقية قد يجعل هذه الجهود غير مجدية.
تهديدات بفرض رسوم جمركية على النبيذ الفرنسي
تصاعدت الأزمة أيضًا مع تهديد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 200٪ على النبيذ والشمبانيا الفرنسية، ردًا على رفض فرنسا دعوة للمشاركة في “مجلس السلام في غزة” الذي اقترحه ترامب. وتخشى فرنسا من أن يهدف هذا المجلس إلى تقويض سلطة الأمم المتحدة، وأن يخدم المصالح السياسية للولايات المتحدة فقط.
وتشير التسريبات إلى أن ميثاق المجلس لا يتضمن أي ذكر لغزة، بل يصفه بأنه “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة الرشيدة والقانونية، وتحقيق السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع”.
التصويت على الثقة في فون دير لايين وتأثير أزمة جرينلاند
في سياق منفصل، جرى في البرلمان الأوروبي مناقشة سحب الثقة من رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، بسبب اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور. لكن هذه المناقشة طغت عليها أزمة جرينلاند، وشهدت قاعة الاجتماعات شبه فارغة. وغابت فون دير لايين عن المناقشة، ومثلها المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفكوفيتش، الذي دافع عن اتفاقية ميركوسور.
من المتوقع أن يفشل التصويت على الثقة في فون دير لايين، لكن الأزمة مع ترامب حول جرينلاند قد تؤثر على أولويات الاتحاد الأوروبي في الفترة المقبلة.
في الختام، تتجه الأنظار نحو قمة مجلس أوروبا في بروكسل، ومحادثات دافوس، لمعرفة ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في تهدئة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. يبقى التطور المستقبلي لهذه الأزمة غير مؤكد، ويتوقف على رد فعل الرئيس ترامب، ومدى استعداد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات انتقامية.










