أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ مجدداً على أهمية تعزيز العلاقات الصينية الكورية الجنوبية، وذلك خلال قمتهما الأخيرة في بكين. جاء هذا التأكيد في وقت يشهد تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية الإقليمية، وتسعى فيه كل من بكين وسيؤول إلى استقرار العلاقات الثنائية وتبادل المصالح المشتركة. وتأتي هذه القمة كجزء من جهود مكثفة لتحسين الحوار والتواصل بين البلدين.
التقى الزعيمان يوم الاثنين، حيث أشار شي جين بينغ إلى أن الوتيرة المتسارعة للاجتماعات الثنائية تعكس الأهمية الاستراتيجية التي يوليها الجانبان لعلاقتهما. وأضاف أن كلا البلدين يتقاسمان مصالح متجذرة كدولتين جاريتين، وأن تعزيز التعاون والتواصل ضروري لتحقيق الاستقرار الإقليمي والازدهار المشترك.
أهمية العلاقات الصينية الكورية الجنوبية في ظل التوترات الجيوسياسية
تتزامن زيارة الرئيس لي جاي ميونغ للصين مع فترة تشهد تطورات جيوسياسية معقدة. ففي الآونة الأخيرة، ألقت السلطات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أضاف إلى حالة عدم اليقين الدولي. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت كوريا الشمالية صواريخ باليستية جديدة، مما سلط الضوء على التحديات الأمنية القائمة في شبه الجزيرة الكورية.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس لي بكين إلى لعب دور بناء في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وأكد على أن السلام هو الأساس الذي يقوم عليه النمو والازدهار، وأن التعاون بين البلدين أمر حيوي لتحقيق هذا الهدف. صرح الرئيس لي بأمله في أن تفتح هذه الزيارة بداية حقبة جديدة من التعاون الوثيق بين البلدين، وأن يكون عام 2026 عامًا لانفتاح كامل للعلاقات.
خلافات إقليمية وتأثيرها على التعاون
تأتي هذه المحادثات أيضًا في ظل توترات متزايدة بين الصين واليابان، والتي تفاقمت بسبب تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية حول نشر القوات في حالة مهاجمة الصين لتايوان. ردت الصين بدورها بفرض قيود على السفر والواردات من اليابان. هذه التوترات تؤثر بشكل مباشر على ديناميكيات التعاون الإقليمي.
أشار الرئيس شي جين بينغ إلى أن بكين وسيؤول يجب أن تتعاونا في الحفاظ على ثمار النصر في الحرب العالمية الثانية، وفي حماية السلام والاستقرار في شمال شرق آسيا. وأكد على ضرورة احترام مسارات التنمية التي اختارها كل بلد، مع مراعاة المصالح الأساسية والاهتمامات الرئيسية لكلا الطرفين. كما حث على حل الخلافات القائمة من خلال الحوار البناء.
كما جدد الرئيس لي احترام بلاده لمبدأ “الصين الواحدة” فيما يتعلق بتايوان، وهو موقف سبق أن عبر عنه في مقابلات مع وسائل الإعلام الصينية.
تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي
خلال قمة الأعمال التي سبقت القمة الرسمية، دعا الرئيس لي إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الاستهلاكية والثقافة، بهدف توسيع التجارة الثنائية التي وصلت إلى حوالي 300 مليار دولار. وأكد على أهمية استكشاف أسواق جديدة وفرص مبتكرة لتحقيق النمو المشترك.
رافق الرئيس لي في هذه الزيارة وفد رفيع المستوى من قادة الأعمال الكوريين الجنوبيين، بما في ذلك رؤساء شركات كبرى مثل سامسونج وإس كيه وهيونداي موتور. وقد انعقدت اجتماعات ثنائية بين هؤلاء القادة ونظرائهم الصينيين لمناقشة فرص التعاون الاستثماري والتجاري الجديدة.
مذكرات تفاهم وتعاون مستقبلي
وقعت الصين وكوريا الجنوبية 14 مذكرة تفاهم في مجالات متنوعة، بما في ذلك حماية البيئة وتصدير المواد الغذائية. اتفق الجانبان أيضًا على إطلاق حوار تجاري على مستوى وزاري لتعزيز التعاون الاقتصادي. ومن المتوقع أن يعقد الاجتماع الأول في النصف الأول من العام القادم، وفقًا لوزارة الصناعة الكورية الجنوبية.
تعد هذه الزيارة بمثابة خطوة مهمة نحو إعادة بناء قنوات الحوار الاستراتيجي بين البلدين. ووفقًا لمستشار الأمن القومي الكوري الجنوبي، فقد اتفق الزعيمان على استعادة آليات التشاور في مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك الشؤون الخارجية والأمن، بهدف تعزيز الثقة المتبادلة. بالإضافة إلى ذلك، تعهدت الصين بالتعاون مع كوريا الجنوبية في تأمين المعادن الحيوية، وتوسيع التبادل الثقافي، ومواصلة المشاورات حول المشروعات الصينية في البحر الأصفر.
في الختام، تمثل قمة بكين بين شي جين بينغ ولي جاي ميونغ علامة إيجابية على الجهود المبذولة لتحسين العلاقات بين الصين وكوريا الجنوبية في ظل الظروف الإقليمية والدولية المعقدة. من المتوقع أن تؤدي تنمية هذه الشراكة إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة، ولكن التحديات المستمرة، مثل التوترات المحيطة بكوريا الشمالية وتايوان، تتطلب حوارًا مستمرًا وتعاونًا بناءً. سيراقب المراقبون عن كثب التطورات المستقبلية، وخاصةً اجتماعات الحوار التجاري المزمعة في النصف الأول من العام القادم.










