يشهد قطاع بطاريات السيارات الكهربائية تحولات كبيرة على مستوى العالم، مع تراجع الحماس الحكومي تجاه الدعم المالي وتزايد المخاوف بشأن تباطؤ الطلب على المركبات الكهربائية. تواجه الشركات الصينية، الرائدة في هذا المجال، تحديات متزايدة في توسعاتها العالمية، مما يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها والبحث عن بدائل. هذا التطور يؤثر بشكل خاص على الدول التي استضافت استثمارات كبيرة في مصانع البطاريات، مثل المجر.
تظهر تقارير حديثة أن العديد من الصفقات الاستثمارية الدولية التي أعلنت عنها الشركات الصينية المصنعة للبطاريات لم تسفر عن نتائج ملموسة. من بين 68 استثمارًا في مصانع تم تحديدها، تم إيقاف أو إلغاء ما لا يقل عن خمسة مشاريع، وفي بعض الحالات بعد بدء البناء بالفعل. يعزى هذا جزئيًا إلى أن اعتماد المستهلكين على السيارات الكهربائية في هذه الأسواق كان أبطأ بكثير مما كان متوقعًا.
تراجع الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية وتوجه نحو تخزين الطاقة
كانت الشركات الصينية تخطط لتوسعات عالمية طموحة في وقت كانت فيه الحكومات تقدم دعمًا ماليًا سخيًا لمشاريع المصانع وخصومات ضريبية للمستهلكين الذين يشترون سيارات كهربائية. ومع ذلك، فإن هذا الحماس بدأ يتلاشى، مما يتطلب من هذه الشركات إعادة تقييم خططها. على سبيل المثال، ألغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحوافز الضريبية للسيارات الكهربائية التي نص عليها قانون خفض التضخم الذي أقره الرئيس جو بايدن.
حتى في أوروبا، التي كانت تهدف سابقًا إلى إنهاء إنتاج السيارات التي تعمل بالوقود بحلول عام 2035، هناك الآن بعض التردد. ووفقًا لمحللين في معهد ميركاتور للدراسات الصينية، فإن الشركات المصنعة للبطاريات ستكون أقل حماسة للاستثمار بشكل كبير إذا لم تكن متأكدة من التوجهات السياسية المستقبلية.
خطة بديلة: تخزين الطاقة
في ظل هذه الظروف، بدأت بعض الشركات المصنعة للبطاريات في تبني خطة بديلة تتمثل في التوجه نحو سوق تخزين الطاقة. أعلنت شركة فورد في ديسمبر الماضي أنها ستحول مصنعها الضخم للبطاريات في ميشيغان من إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية إلى إنتاج بطاريات لتخزين الطاقة، وذلك باستخدام تقنية التصنيع الخاصة بشركة CATL الصينية.
وبالمثل، أعلنت شركة Envision AESC، وهي شركة صينية كبرى أخرى لتصنيع البطاريات، أن مصنعها الحالي في تينيسي سيتحول أيضًا من إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية إلى بطاريات تخزين الطاقة. يبدو أن هذا التوجه يحظى بقبول واسع، حيث أن الجميع يرحب بزيادة عدد البطاريات في الشبكات والمنازل، مما يمكن أن يمنع انقطاع التيار الكهربائي ويسمح للمستهلكين ببيع الكهرباء مرة أخرى إلى الشبكة.
ومع ذلك، هناك بعض الاستثناءات، مثل شركة المرافق الوطنية الباكستانية والبنوك الصينية التي تقرضها الأموال، والتي قد لا تكون سعيدة بصعود بطاريات التخزين الصينية. لكن بشكل عام، يبدو أن تقنية تخزين الطاقة لا تخضع لتدخل سياسي كبير، حيث تبنت كل من كاليفورنيا ذات الميول الديمقراطية وتكساس ذات الميول الجمهورية في الولايات المتحدة استخدام مكثف لتخزين الطاقة على نطاق واسع.
نقل التكنولوجيا العكسي
لطالما كان هدف الشركات والجهات الحكومية التي تتعاون مع الشركات الصينية المصنعة للبطاريات لجذب المصانع إلى بلدانها هو تبادل الوصول إلى الأسواق والدعم المالي مقابل الوعد بنقل التكنولوجيا وتدريب العمال المحليين على إنتاج بطاريات متطورة.
لكن الأمر يبدو الآن وكأنه تحول في الأدوار. ففي العقود الثلاثة الماضية، كانت شركات صناعة السيارات الأمريكية والأوروبية واليابانية والكورية سعيدة بتبادل خبراتها التقنية مقابل الوصول إلى السوق الصينية. أما اليوم، فقد انعكس هذا الوضع، وأصبحت الشركات الصينية هي التي تمتلك التكنولوجيا المتقدمة.
وفي حالة المجر، على سبيل المثال، يرى المحللون أن الاستثمارات الكبيرة في مصانع البطاريات قد لا تترجم إلى فوائد اقتصادية كبيرة للسكان المحليين، حيث أن معظم البطاريات المنتجة في المجر مصممة لتلبية احتياجات أسواق السيارات في أوروبا الغربية، حيث يتمتع المستهلكون بقوة شرائية أكبر. ويقول بارتوك، وهو خبير اقتصادي، إن “المواطن المجري العادي لديه المال لشراء سيارة مستعملة عمرها 10 سنوات من ألمانيا، وعادة ما تكون تعمل بالديزل أو البنزين، وليس لديه المال لشراء سيارة كهربائية”.
الوضع الحالي يثير تساؤلات حول مستقبل صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وما إذا كانت ستظل تعتمد على الدعم الحكومي والطلب المتزايد على السيارات الكهربائية، أم أنها ستجد طريقها نحو الاستدامة من خلال التركيز على سوق تخزين الطاقة. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من التطورات في هذا المجال، بما في ذلك قرارات جديدة بشأن السياسات الحكومية والاستثمارات الخاصة، والتي ستحدد مسار هذه الصناعة الحيوية.










